تغير الواقع الذي كان سائداً لسنوات بشكل كبير خلال الفترة الماضية. اليوم يمكن الحديث عن ظاهرة "هجرة" للزبائن باتجاه السيارات الجديدة صغيرة الحجم. الأسباب كثيرة بدءاً بالغش الذي كان ولا يزال يعتري هذا القطاع من قبل عدد ممن شوهوا سمعته عبر استقدام سيارات "مضروبة" من الخارج، وصولاً إلى رفع الرسوم على هذه السلعة المستعملة التي كانت ملجأ الغالبية العظمى من اللبنانيين سابقاً، ولا تنتهي بالعروضات والمنافسة الشرسة والتسهيلات بالدفع التي أصبحت تقدمها الشركات اليوم للراغبين.


فهل نحن امام قطاع يتخبط، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة؟
في ظل المعطيات المتوافرة، لا يبدو أن واقع تجارة السيارات المستعملة في لبنان يبشر بالخير على أصحابه. القطاع يمر بمرحلة حرجة، يتحدث فيها بعض المعنيين عن خوف من إقفال وإفلاس. الشكاوى كثيرة، وإجماع على مطالبة الدولة بتخفيض الرسوم المفروضة على استيراد السيارات المستعملة.
منذ سنوات، بدأ كثير من اللبنانيين يميلون الى شراء السيارات الصغيرة الحجم، وذلك في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، والارتفاع المتزايد على أسعار المحروقات، والضرورة الملحة للاقتصاد في المصاريف من اجل الاحتياجات الاساسية.
قبل تلك الفترة، لم تكن السيارات الصغيرة تعني الكثير لعدد كبير من اللبنانيين، بل كانوا يفضلون السيارات الفخمة والمتينة، غير ان المشهد تبدل بفضل السياسات التي انتهجتها الدولة، والتي شجعت اصحاب الشركات على استيراد سيارات "اقتصادية" واكتساح الاسواق.

مرحلة ركود

"وصل قطاع تجارة السيارات المستعملة اليوم إلى مرحلة ركود كبير، وقد تراجعت نسب الإقبال عليه بشكل خطير"، يقول نقيب اصحاب معارض السيارات المستعملة في جبل لبنان وليد فرنسيس. ويضيف: "في عام 2010 استورد القطاع حوالى 90 ألف سيارة مستعملة، ثم 53 ألفاً في عام 2011، و44 ألفاً في عام 2012 و31 ألفاً في 2013 على التوالي. في حين لم يتجاوز عدد السيارات المستوردة العام الماضي أكثر من 40 ألف سيارة". ويعزو فرنسيس هذا التراجع إلى "المنافسة الشديدة من قبل الشركات الجديدة التي تقدم سيارات اقتصادية، مع تسهيلات بالدفع، اضافة الى كفالة لمدة خمس سنوات. تضاف الى ذلك العقبات التي تضعها الدولة كعائق امام هذا القطاع، لا سيما من ناحية الرسوم القياسية التي ألزم بها التجار ولا سيما التعرفة الجمركية".
يبلغ متوسط الرسوم الجمركية على السيارة المستعملة الأوروبية والأميركية ما لا يقل عن خمسة آلاف دولار مقابل الف دولار على السيارة الجديدة، تليها الضريبة على القيمة المضافة (VAT) ومن ثم إيجار إيقافها على أرض المرفأ إلى حين دفع التعرفة الجمركية التي تبلغ 300 دولار عن كل يوم في حين لا تتخطى كلفة الشحن في البحر لمدة 22 يوماً 600 دولار. هذا للسيارة صغيرة الحجم، فيما الكبيرة فتكلفتها باهظة أصلاً، بعدها يأتي إيجار المعرض وبدل أتعاب الموظفين ليضاف إلى كل ما سبق فترتفع الأسعار بشكل واضح.


دخل لبنان خلال السنوات الأخيرة حوالى 50 ألف سيارة لا تستوفي شروط السلامة العامة

وفي سياق آخر، يشير فرنسيس الى "أن قانون ازدواجية الرسوم اي إعفاء الشركات المستوردة للسيارات الجديدة من الرسوم الجمركية يصبّ في مصلحة حوالى 15 شركة من القطاع الخاص التي تستورد سيارات رخيصة من دون التفكير بالنوعية، على حساب مصلحة الخزينة التي يحرمها من مليارات الدولارات سنوياً. في حين يُعتبر بمثابة غبن بالنسبة لمستوردي السيارات المستعملة وظلم للزبون الذي يخسر الكثير عند البيع. الى ذلك، تشكل رسوم التسجيل مشكلة فعلية ليس فقط لاصحاب المعارض، بل أيضاً للمواطن، بحيث تبلغ رسوم تسجيل سيارة قيمتها 10 آلاف دولار، حوالى ألفي دولار، اما في العديد من دول العالم فتبلغ في بعض الأحيان 30 دولاراً فقط".
في السياق عينه، يؤكد رئيس نقابة مستوردي السيارات المستعملة ايلي قزي "ان السيارات المستعملة تخضع لنظام ضريبي مرتفع الرسوم ما أثر قي القطاع، وأدى الوضع الامني وما رافقه من خضات اقتصادية الى تدني نسبة مبيعات السيارات المستعملة بحوالى 15% مقارنة مع العام المنصرم. لذلك اصبحت الحاجة ملحة اكثر من اي وقت مضى لإيجاد الحلول المناسبة للمحافظة على هذه الفئة من المستوردين في الدورة الاقتصادية، لا سيما خفض الرسوم الجمركية والضرائب".

خسائر بالجملة

منذ حوالى أربع سنوات بلغ دخل خزينة الدولة ستة ملايين دولار يومياً من عائدات الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة وتسجيل السيارات المستوردة. أما اليوم فتراجع دخل الخزينة الى مليوني دولار يومياً، بسبب عدد من الإجراءات التي اتخذت والتي تصب بنظر كثيرين في مصلحة مستوردي السيارات الجديدة.
ان عدم تسعير السيارة الآتية من أوروبا بالسعر نفسه للسيارة ذاتها الآتية من أميركا، اضافة الى الضرائب التي تفرض على السيارات المستعملة، يشكلان ظلماً كبيراً يمارس على اصحاب المعارض، اذ يدفعون ضريبة دخل على السيارة المستعملة بنسبة 100 %.
إلى هذا، لا تزال آلاف السيارات التي تفتقر الى نظامي المكابح والوسائد الهوائية تدخل لبنان دون ان تكون هناك اية مراقبة عليها، ومنها السيارات الصغيرة التي بات طرازها معروفاً لدى الجميع، وهي على الرغم من أنها مجهولة المنشأ، فإن الزبون لا يزال ينجذب إليها نظراً لكلفتها المتدنية وسعرها المقبول نسبيا، وهو أمر يشكل خطراً على السلامة العامة.
وفي حين يعتبر هذان النظامان غير إلزاميين في لبنان، غير انه من الواجب لا بل الضروري الزام الشركات المستوردة عدم الاستهتار بهذا الموضوع.
ويوضح فرنسيس: "دخل لبنان خلال السنوات الأخيرة حوالى 50 الف سيارة لا تستوفي شروط السلامة العامة. كما ولا يزال عدد من اصحاب المعارض الذين يشوهون سمعة القطاع عبر ادخال سيارات مضروبة على هيكلها الاساسي يعرضون سلامة الناس للخطر بلا حسيب او رقيب وبغطاء من قبل بعض السياسيين أحياناً".
بدوره، يلفت متري مطر، مستورد وصاحب معرض إلى "ان المشكلة الاساسية التي ادت الى تراجع هذا القطاع هي "الرسوم الجمركية الخيالية التي تُفرض على السيارات المستعملة المستوردة. لقد سعت الدولة الى تخفيض الرسوم على السيارات الجديدة ورفعت الرسوم على السيارات المستعملة، في حين كان يجب أن تقوم بالعكس تماماً".
وعن ثقة اللبنانيين بهذا القطاع فيشرح مطر: "انه على الرغم من المنافسة في الاسعار، الا ان المواطن اللبناني اصبح يدرك من هم الذين يستوردون السيارات المضروبة، وكيف يتلاعبون بها، لذلك نجد الفرق في الاسعار بين معرض وآخر".
تستبعد غالبية المستوردين ان تنخفض اسعار السيارات، وتؤكد انه ليست هناك بوادر لتخفيض الأسعار على الرغم من بدء العمل بالاتفاقية الجمركية بين لبنان والاتحاد الاوروبي التي تنص على ان تكون التعرفة الجمركية فقط 5%، غير ان الدولة لم تطبق فعلياً هذه الاتفاقية، ولم تخفض التعرفة الجمركية، بل اكتفت بتغيير طبعة الوصولات وغيرت التسميات لتصبح (5% رسم جمركي و95% "استهلاك محلي"). من جهة اخرى، فإن استمرار انخفاض سعر اليورو مقابل الدولار قد يساعد في التوجه أكثر نحو الأسواق الأوروبية.
الوضع الأمني في البلاد، والتردي الحاصل في الوضع الاقتصادي، المنافسة بين شركات السيارات الجديدة، والعروضات التي تقدمها والتسهيلات بالدفع، عدم تنظيم القطاع، غياب الرقابة الجدية... كلها عوامل ألقت بارتدادتها السلبية على تجارة السيارات المستعملة في لبنان وأدت إلى تراجع أدائه خلال السنوات الماضية.
ويبدو أن السؤال اليوم هو الى متى تستمر المعارض الـ3000 التي تعمل حالياً على الاراضي اللبنانية بالصمود في وجه كل هذه الصعوبات؟