رندا الأسمر*


ريمون جبارة بطل، هو أب لا نظير له لكل شباب المسرح وطلابه، وكل الذين عملوا معه في المسرح. إنّه جبّار جبار عاش 26 سنة مصاباً بفالج، ولم يتوان عن العمل الفكري والإبداعي والكتابي والإخراجي، أكان في الإذاعة والجريدة والمسرح. لعل العزاء الكبير أنّه أكثر مسرحي كرِّم في لبنان في حياته.
ما كان يتكابر على أي تكريم من أي مصدر أتاه. كان يفرح، ويفرح الناس بحضوره، وأعتقد بأنه بينه وبين نفسه كان وحيداً بامتياز. هذه الوحدة هي التي أبقت الفنان حياً فيه. حزن عتيق أبقى الفنان بداخله، لذا، كان يكتب ويقاوم كل شيء وكل بشاعة حوله، كان يجاهر فيه ويحاربه بكتاباته ومسرحه. كان إنساناً ثائراً على الحياة العادية التي يعيشها ويرضى بها الناس. كان يؤمن بأنّ الانسان يستحقّ حياة أفضل، يستحق أن يحلم ويحب ويعيش بكرامة، وبحرية، التي تعدّ أدنى الحقوق في البلاد المتحضرة. أما عن الجاه والمقامات، فكان متواضعاً جداً. لا ينسى رفاقه في أكثر لحظات مجده، بل يبرزهم ويشكر طلابه، وظلّ يتذكر رفاقه الذين رحلوا ويبكي عليهم. كان همّ ريمون الانسان المظلوم والفقير أينما كان. كان فنّه موجّهاً إلى هذا الإنسان.

كان زاهداً في الدنيا، ومتكابراً على الوجع وعلى سوء التفاهم، وكان عفوياً صاحب نكتة. كان في مرضه لا يتذمر ولا يتباكى على نفسه. في أيامه الأخيرة، كان يذهب إلى «جامعة الكسليك» على الكرسي المدولب، وكان طلابه يحملونه إلى الصف لإلقاء محاضرته ثم يعيدونه إلى السيارة. لقد عاش الحياة ببساطة فظيعة، حتى إنّه عندما نال وساماً فرنسياً في الثمانينات، قال إنّه أخذه كي يفرح والده! كان يتفاخر بأنه لا يحمل شهادات عالية ولا يخجل من ذلك لأنّه رأى أن الفكر والتأمل في الحياة وتفاصيلها هما ما يصنعان إنساناً مبدعاً وطبعاً هناك الوجع. كان دائماً يردد أنْ لا فن من دون وجع. فالوجع هو الذي يحوّل الفن إلى لحظة جمال وإبداع. وكان يردد دوماً أنّ الحياة نفق، وعلى الانسان الرأفة بأخيه في هذا النفق الدامس. أنا أفتخر بأنني كنت تلميذته وعملت معه، وعشت على عهده وعصره.
* ممثلة لبنانية