الآمال الاقتصادية والسياسية التي بنى عليها المصريون أحلاماً كثيرة طوال العام الماضي، وما قبله، انهارت أمام أسعار السلع الأساسية التي خرجت عن السيطرة، لدرجة جعلت الرئيس، عبدالفتاح السيسي، يستعين بالقوات المسلحة لإقامة معارض بيع دائمة لتلك السلع في محاولة للسيطرة. وفي السياسة، جاء البرلمان مخيبا لظنون كثيرين، ومعبراً بوضوح عن قوى الثورة المضادة لـ«ثورة 25 يناير». أما في الإدارة المحلية، فكان غرق محافظة الإسكندرية بالأمطار دليلاً قويا على ضعف حكومي برغم إقالة المحافظ من منصبه، إضافة إلى بعض الوقائع الأخرى التي أكدت ذلك، ومن بينها غرق مركبين في النيل راح ضحيتهما قرابة 40 مواطنا.
بدأ 2015 بالمؤتمر الاقتصادي الذي عقدت في مدينة شرم الشيخ الساحلية، في منتصف آذار الماضي. كانت السلطات المصرية تعلق على المؤتمر آمالا كبيرة لإنقاذها من أزمتها الاقتصادية، وعقب انتهائه، قال رئيس الوزراء آنذاك، إبراهيم محلب، إن حصيلة المؤتمر بلغت 60 مليار دولار، فضلا عن تعهدات بدعم خليجي قدره 12.5 مليار. كما لفت إلى أنه جرى توقيع عقود بقيمة 36.2 مليار دولار، والاتفاق على مشروعات ممولة بقيمة 18.6 مليار، على أن يكون السداد على سنوات طويلة، بالإضافة إلى 5.2 مليارات دولار من صناديق ومؤسسات دولية كقروض مع وزارة التعاون الدولي، أي بخلاصة تقارب نحو 194 مليارا.
برغم ذلك وحالة الحماسة الحكومية الكبيرة، لم يتغير شيء على أرض الواقع، بل بدا كأن المؤتمر «مولد وانفض». ولا يزال يسيطر الغموض حول دور اللجنة التي شكلتها الحكومة لمتابعة تنفيذ المشروعات التي اتفق عليها في المؤتمر، كما لم تخرج اللجنة إلى الرأي العام لتعلن إلى أي مرحلة وصل ما جرى التعاقد لتنفيذه.

استكمل الاستحقاق الثالث لـ«خريطة الطريق» وسط شكوك في دور البرلمان

خلال المؤتمر نفسه، دشن الرئيس المخطط الأولي لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة في الطريق الواقعة بين القاهرة والسويس، على بعد عشرات الكيلومترات من محور تنمية قناة السويس الذي يجري العمل فيه، لكن تعثر تنفيذ المشروع عبر شركة «كايرو كابيتال» التي يمتلكها رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، ثم قسم المشروع لتنفيذه بالشراكة مع عدة شركات عالمية تحت إشراف القوات المسلحة، مع أن ثمة تساؤلات كثيرة عن جدوى إنشاء عاصمة جيدة.
إنجاز جديد حاولت الرئاسة تسويقه في آب؛ موعد افتتاح قناة السويس الجديدة، كما سماها النظام. في المقابل سماها عدد من الخبراء «التفريعة الجديدة لقناة السويس». وصل الاختلاف بين فريقي التسمية إلى الاشتباكات اللفظية في مداخلات على الفضائيات وفي مقالات الصحف والمواقع الإلكترونية. بعيدا عن تلك المشاجرات، كان اللسان الرسمي للدولة يزف للمصريين أن ما جرى فعله حدث عملاق وتاريخي وسيغير خريطة مصر والعالم. وكانت السلطات المصرية قد جمعت 64 مليار جنيه عبر شهادات استثمار في قناة السويس، وبنت آمالا على أنه من المتوقع أن تتضاعف إيرادات القناة بمضاعفة عدد السفن المارة، لم تلتفت الدولة إلى التقارير التي تتحدث عن صعوبة ذلك، وأشهرها تقرير لوكالة «موديز» للتصنيف الائتماني قال إن الرؤية المصرية «تقوم على افتراضات بتعافٍ حاد في نمو التجارة العالمية وهو أمر غير مرجح الحدوث».
المفاجأة أن ما كانت تخشاه تلك المؤسسات حدث بالفعل، ولم يبد أن هناك أي زيادة في إيرادات القناة، بل العكس هو ما حدث، ففي الشهر الأخير من العام الماضي أظهرت بيانات «هيئة قناة السويس» أن إيرادات البلاد من القناة انخفضت إلى 408.4 ملايين دولار في تشرين الثاني بعدما كانت 449.2 مليون دولار في تشرين الأول، مسجلة بذلك أدنى مستوياتها منذ شباط الماضي، عندما بلغت 382 مليون دولار. وفيما بلغت إيرادات القناة خلال أول 11 شهرا من 2015 نحو 4.746 مليار دولار، كانت قد بلغت 5.4 مليارات في 2014.
لم تنته قصص آب إلى هنا، ففي نهاية ذلك الشهر، جاء إعلان شركة «إيني» الإيطالية عن «أكبر كشف للغاز الطبيعي» في المياه الإقليمية المصرية، أطلق عليه اسم «شروق». وتوقعت الشركة ووزارة البترول المصرية أن يضع هذا الكشف البلاد على لائحة إحدى أبرز الدول المصدرة للغاز. كالعادة انشغل المسؤولون المصريون وبرامج «التوك شو» في رصد فوائد الكشف الجديد. ولمرة واحدة توقف الحديث عن الكشف، ولم يعد يذكر أحد عنه أي شيء.
على الصعيد السياسي، وقبل أقل من شهر على الحدث الأبرز، وهو الانتخابات البرلمانية، أقيل أو استقال رئيس الحكومة إبراهيم محلب، وكلف وزير البترول في الحكومة المستقيلة شريف إسماعيل تأليف الحكومة مجددا. القصة في العلن كانت القبض على وزير الزراعة في حكومة محلب، صلاح هلال، في قضية رشوة، بعد دقائق من إجباره على الاستقالة من منصبه.
وبغض النظر عن أسباب كثيرة لتغيير الحكومة، عين محلب مستشاراً للرئيس لشؤون المشروعات الكبرى، فيما يبدو أن الحكومة الحالية ستستمر برغم انتخاب البرلمان، الذي أنهى معه السؤال عن استكمال «خريطة الطريق»، وفتح مروحة أخرى من الأسئلة عن دور هذا البرلمان، في ظل انسحاب غالبية القوى المعبرة عن ثورة يناير سيطر على غالبية كراسي المجلس قوى تعتبر ثورة يناير مؤامرة، وعملا مخابراتياً أجنبياً، ما دفع كثيرين إلى وصف هذا المجلس بأنه يعبر عن القوى المضادة لـ«ثورة يناير».
مع نهاية العام، جاء الإعلان عن الانتهاء من إجراءات بناء أول مفاعل نووي مصري بشراكة روسية، ليكون شاهدا على أمل جديد يبني عليه المصريون أحلامهم، ولكن لم ينته القلق من عوامل الأمان التي يجب أن تصاحب تلك المشروعات العملاقة في نتائجها وكوارثها أيضا، وهي الصفقة التي لم تكن بعيدة عن صفقات السلاح الروسي والفرنسي التي عقدتها مصر طوال 2015، وأيضا السؤال عن التمويل ومن جيب من ستدفع هذه الصفقات.
وعمليا، فإن مشروع المحطة النووية في الضبعة هو الأضخم على الإطلاق؛ وتصل تكلفته إلى 26 مليار دولار لإنشاء أربع محطات نووية تستخدم في توليد الكهرباء، بقرض روسي مع فائدة 3.5% سنوياً، على أن يبدأ السداد بعد تشغيل المفاعل، فيما تمول الحكومة المصرية 15% من ميزانية التنفيذ، كما أعلنت.
ما سبق تقريبا هي أبرز الأحداث الاقتصادية والسياسة في العام الماضي، لكن الحادث الأهم الذي كان متعلقا بالسياسة الخارجية والاقتصاد في آن واحد، كان سقوط الطائرة المدنية الروسية في شرم الشيخ نهاية تشرين الأول، ووفاة كل ركابها، البالغ عددهم 224. الحادثة التي تقول الحكومة المصرية إنها لا تزال تنتظر نتيجة التحقيقات فيها، على يد «اللجنة الدولية» المكلفة تحديد أسباب الحادث، وأعلن فرع تنظيم «داعش» في سيناء مسؤوليته عنها، أثرت بقوة في الاقتصاد المصري، بعدما أعلنت روسيا وعدد من الدول الأوروبية وقف رحلاتها إلى مصر، ومنع دخول الطيران المصري إلى الأجواء الروسية.
وحتى نهاية العام، قدرت الخسائر الشهرية بنحو 800 مليون دولار نتيجة توقف رحلات السياحة التي كانت قد بدأت بالانتعاش بعد سنوات من الانكماش، فيما أجرت الحكومة عدة إجراءات لدعم السياحة المحلية لكنها لم تحقق العائد المنتظر منها. وقبل حادثة الطائرة الروسية بشهر واحد تقريبا، قتل 12 سائحا مكسيكياً في هجوم جوي شنته على سياراتهم القوات المصرية عن طريق الخطأ.




سنة الكوارث أيضا

كوارث العام الماضي كانت كثيرة في مصر، وبدأت في شباط بمقتل 22 مشجعا لفريق نادي الزمالك، بعدما أقامت إدارة التأمين باستاد الدفاع الجوي، قفصا حديديا يجري من خلاله فقط العبور نحو البوابة الرئيسية للاستاد. ومع الأعداد الكبيرة من الجماهير حدث تدافع وقتل هذا العدد، فيما قال بيان لرابطة مشجعي الزمالك إن ضباط وزارة الداخلية أطلقوا الغاز على الجماهير.
وفي 29 حزيران، تمكنت جماعة إرهابية من اغتيال النائب العام، هشام بركات، بتفجير سيارة مفخخة في موكبه، في حي مصر الجديدة، وهو من أبرز الأحداث في هذا العام، باعتباره أول عملية اغتيال لمسؤول رفيع في الدولة منذ «يناير 2011»، فقد كانت غالبية التفجيرات تستهدف ضباطا ومجندين فقط، وجاء بعدها خطف مهندس كرواتي وإعدامه.
مع نهاية 2015 أيضا، انتشر الحديث عن وقائع قتل لموقوفين في أقسام الشرطة، والأوضاع الصعبة للمسجونين في السجون العامة، وخاصة المنتمين إلى الجماعات الإسلامية، والمعارضين للنظام الحالي من أصحاب الأيديولوجيات الأخرى. وتزايدت كذلك وقائع الاختفاء القسري وتعرض الشباب للتعذيب في السجون، وهي الظواهر التي وصفها السيسي بالتجاوزات الفردية «التي لن تنال من هيبة الشرطة المصرية ومكانتها لدى المواطنين».