في تلك الليلة امتلأت شاشات الفضائيات بمانشيت عريض احتلّ معظم صفحات الجرائد الفنية. راقصة تواجه تهمة الحبس لمدة عام بسبب إهانة العلم المصري. «صوفينار» الراقصة التي أصبحت حديث الشارع، والتي ربما تكون الوحيدة ذات الأصول الأرمينية، التي يعرف الجميع كل تفاصيل حياتها وموعد حفلاتها وآخر رقصة أدتها. لكن هل حدود الأرمن الثقافية في الحياة المجتمعية المصرية تتوقف عند صوفينار والتي باتت تعرف بصافيناز؟


ثمة من يقول إن تاريخ الأرمن في مصر يعود إلى العصرين الفاطمي والمملوكي، فالقائد محمد علي قد استعان بهم في نواحٍ عدّة من الحياة المصرية نتيجة لتفوقهم في مجالات الطب والصرافة واللغات، وذلك قبل أن يصبح نوبار نوباريان (نوبار باشا) أول رئيس وزراء لمصر الحديثة عام 1878. كل هذه المعلومات السابقة التي ظلّت رهينة كتب التاريخ والمرويات الرسمية لجدران المؤسسات الحكومية، حدثت قبل الإبادة.

■ ■ ■


في إحدى جولاتي النهارية في شوارع منطقة وسط البلد القاهرية، لفتت نظري عمارة قديمة متهالكة تنتمي إلى حقبة الثلاثينيات في مصر. بجوار الباب كان هناك صندوق زجاجي بداخله مجموعة من الصور القديمة التي تعود لفترات متباعدة من الذاكرة المصرية، وفوق الصندوق كُتب «ستوديو كيروب» للتصوير. عادّة وأنا أمرّ هناك تمتلئ رئتي برحيق الماضي. كأن سراً ما يعيش في هذا الأستوديو. في إحدى المرات صعدت درجات السلم المتهالكة ووصلت إلى الباب العتيق. لمست جرس الباب، فخرج رجل على مشارف الثمانينيات من عمره، مع ابتسامة هادئة وترحيب حار. عرفت فيما بعد اسمه بالكامل «نوبار هاكوب كيروبيان» وهو مصري أرميني. داخل هذا الاستوديو الكلاسيكي تابلوهات وصور لمن كانوا أعياناً في البلاد؛ مثل سعد زغلول، محمد عبد الوهاب، الملك فاروق، توفيق الحكيم، جمال عبد الناصر، وغيرهم.
يقول كيروبيان إن الأرمن تعرضوا للإبادة في تركيا. وصل عدد الضحايا إلى مليون ونصف المليون شخص ربما. أما والده فقد هاجر إلى الإسكندرية قبل الحرب العالمية الأولى، حيث تزوج وبدأ رحلته إلى القاهرة، ممتهناً حرفة التصوير الفوتوغرافي. يقال إن الأرمن أباطرة التصوير في مصر. الرجل الذي يعدّ خزانة من ذاكرة مصر المترامية، ينظر الآن بأسى إلى تلك الأيام الجميلة التي مرت أمام الأعين، بينما كان فندق «سميراميس» يطلّ على النيل في شموخ وبهاء، والميادين تفيض بالخضرة والأناقة، وهؤلاء الذين يتزوجون في فساتين يغلب عليها البساطة والرُقيّ. الآن يضع الرجل تاريخ أسرته الأرمينية كاملة في مجموعة من الأظرف الصفراء قد تكون آخر ما تبقى من ذاكرتهم الساحلية. مصر التي يعشقها حتى النخاع، والتي عاش بها أحداثاً ثورية متعاقبة كان آخرها تلك الصورة العرضية لمجموعة من الحرس يعزفون السلام الوطني أمام مجمع التحرير. ينظر الرجل والدموع تتلألأ في عينيه إلى جداريته الفوتوغرافية، ويقول: «كأن الصور أصبحت بيضاء». توفيت أخته التي كانت تساعده في أعمال التقطيع والتحميض بأزمة قلبية قبل سنوات عدّة، بينما هو ما زال يتمشى نصف ساعة يومياً من منزله بإحدى الشوارع المجاورة وصولاً إلى الاستوديو حيث ترقد ذكريات شعب كامل.

■ ■ ■


في نهاية اليوم، حملت حقيبتي السوداء، وعبرت بشارع عبد الخالق ثروت وفي يدي كتاب قديم عن تاريخ الكاريكاتير في الحياة المصرية. نظرت إلى إحدى الرسومات بحدّة وتركيز لأجد توقيعه في آخرها (صاروخان). إنه الرجل الذي أعطى الكاريكاتير والسخرية مذاقاً جديداً من خلال شخصيتي (مخضوض باشا الفزعنجي) و(إشاعة هانم) إبان الحرب العالمية الثانية وكذلك شخصية (المصري أفندي) عام 1929. الريشة الرشيقة التي استطاعت أن تصنع برزخاً ذكياً، بين التورط في المباشرة والتلميح الغامض. كنت أفكر دائماً بينما أقلب صفحات هذا الكتاب بشأن الاندماج في نسيج الحياة المصرية. وفي طفولتي كنت من عشاق فيلم (دهب، 1953) من بطولة أنور وجدي والطفلة فيروز. تلك الأخيرة التي ملأت الشاشة بحركاتها البهلوانية وأدائها الصوتي شديد الذكاء. عرفت فيما بعد أن تلك الصغيرة تسمى (بيروز آرتين كالفيان – 1943) وهي من أصول أرمينية شامية. في التفاتة عفوية نحو الماضي أردد معها وهي تغني: «معانا ريال/ معانا ريال/ ده مبلغ حلو ومش بطال...»، وأسأل نفسي: هل بات رصيد الأرمن في البلاد قليلاً في الحضور؟ وأجيب نفسي: يا صديقي المصور العزيز (كيروبيان)، أذكرك بالتعبير المحفوظي: آفة حارتنا النسيان.
(القاهرة)