يعاني لبنان من مقاطعة خليجية على الصعيد السياحي فعلياً منذ عام 2011. حينها، احتدم الصراع السياسي في البلاد نتيجة الانقاسامات المتزايدة بين الفريقين الأساسيين وانعكست على العلاقات مع الجوار المشرقي والخليجي. زادت الأزمة السورية وأحداث العالم العربي الطين بلّة، فتدهورت المؤشرات السياحية في البلاد وتأثر الاقتصاد عموماً بتراجع أموال الوافدين، أجانب كانوا أم مغتربين.


لا تغيّر
لم تغيّر البلدان الخليجية موقفها رسمياً من السفر إلى لبنان؛ هي تنصح رعاياها بعدم زيارة هذا البلد على اعتبارات أمنية، أي خوفاً من عمليات الخطف والابتزاز، وأيضاً استناداً إلى حسابات سياسية ظهرت أخيراً في موجات طرد العمال اللبنانيين من الإمارات العربية المتحدة، وقد يظهر أكثر على خلفية التوتر الذي نشب أخيراً مع السعودية نتيجة أحداث اليمن.
لذا تبدو مستغربةً عودة السياح الخليجيين إلى رأس القائمة التي ترصد إنفاق الوافدين إلى لبنان. فبحسب آخر تقرير لشركة GlobalBlue، التي تختص بحساب ومعالجة ردّيات الضريبة على القيمة المضافة التي يحق للسياح استردادها، مثّل الإنفاق السعودي 16% من الإنفاق السياحي العام المسجل في لبنان خلال الربع الأوّل من العام الحالي.

عودة سعودية
اللافت هو ان ما أنفقه السياح السعوديون – وهو يستثني مبالغ كثيرة تُنفق على الخدمات أكثر منها على السلع – نما بنسبة تفوق 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

واللافت أيضاً هو أن هذا البلد الخليجي الذي هوى خلال السنوات الأخيرة إلى مراتب متأخرة جداً على سلم الأولويات السياحية اللبنانية يعود اليوم إلى المقدّمة رغم كلّ الاعتبارات الأمنية والسياسية التي قد تعوق عودة كهذه.

مثّل الإنفاق السعودي
16% من الإنفاق السياحي العام المسجل في لبنان خلال الربع الأوّل من العام الحالي
بعد السعودية تحلّ الإمارات العربية المتّحدة، حيث مثّل إنفاق رعاياها أكثر من 14% من الإنفاق السياحي العام خلال الأشهر الثلاثة المدروسة، التي للمفارقة شهدت تصعيداً في الحساسية الدبلوماسية بين البلدين نتيجة إعداد ما سُمّي "لائحة ترحيل" للبنانين يشتغلون في البلد الخليجي، والقيام بطرد عدد منهم فعلاً في خطوة أضحت تتكرّر بين موسم وآخر.
وعلى إيقاع المزاج السياحي السعودي الإماراتي يُنفق الوافدون الآخرون من بلدان الخليج العربي. فالآتون من الكويت وقطر سحبوا محافظهم بكرمٍ خلال وجودهم على الأراضي اللبنانية خلال الفترة المذكورة (راجع الكادر المرفق).
هل هي بداية عودة السائح الخليجي؟ الإجابة على هذا السؤال يحكمها التسرّع وخصوصاً في ظلّ التطورات الأخيرة على مستوى علاقات لبنان – الرسمي وغير الرسمي – مع البلدان الغنية بالنفط.


النمط الخليجي
ولكن ما يُمكن تأكيده، هو أن السائح الخليجي الذي اعتاد المجيء إلى لبنان في إطار تجربة سياحة خاصة تتميز بخدمات مطرزة طبقاً لخصوصيات الأهواء الخليجية، وجد نفسه إلى حدّ ما تائهاً بين واحات سياحية مصطنعة لا تُقدم له في معظم الأحيان ما تكتزه السياحة اللبنانية من نمط عيش وبذخ.
كذلك الأمر بالنسبة للقطاع السياحي اللبناني الذي تطوّر خلال السنوات الصعبة بعد الحرب حول محورية السائح الخليجي وأهميته لنفخ المحفظة السياحية ومدّ البلاد بعملات صعبة.
وقد حاول لبنان خلال السنوات الأخيرة تطوير منظومة سياحية تتسم بالليونة لتجذب أبناء الطبقة الوسطى من أوروبا وأميركا الشمالية، إضافة إلى المغتربين اللبنانيين. غير أن معظم الخطط الموضوعة في هذا الإطار فشلت بسبب المصاعب السياسية التي عادة ما تفرط حكومات وتُعيد الخطط إلى المربع صفر.
أكثر من ذلك، فإنّ السياحة العراقية وبعض السياحة الأوروبية التي بدت لوهلة أنها تتقدّم لاستبدال الحركة الخليجية في المشهد السياحي اللبناني، تبدو مؤقتة وغير مستدامة.
إذاً يبدو لبنان والخليج على الموجة السياحية نفسها، على الرغم من أن محيطاً يفصل بينهما حالياً وليس فقط خليج.

وجهات الانفاق
ولكن على ماذا تحديداً يُنفق الوافدون من الخليج في لبنان؟ وأين تتركز أموالهم؟
عودةٌ إلى تقرير Global Blue، يتضح أن 82% من الإنفاق السياحي المرصود تحقّق في بيروت الكبرى، تلتها منطقة المتن بنسبة 12% ثمّ بعبدا وكسروان بنسبة 3% و2% على التوالي.
أما المجالات الأساسية التي جذبت إنفاق السائح والسائحة في لبنان، فكانت الثياب والموضة بنسبة 71%، تليها المجوهرات والساعات ثمّ المنتجات المنزلية.
تأتي هذه البيانات لتؤكّد أن لبنان لا يزال يتغلّب على نفسه لناحية الفصام الاقتصادي السياحي الذي يعيشه، ويبقى هذا البلد، سياحياً، مثالاً فاقعاً لقوّة الجذب الاجتماعي الذي تولّده الفوضى والتأزمات السياسية.
قد يكون هذا الأداء جيداً – والجميع يبحث عن الجديد والمتميز، أليس كذلك؟ - ولكن يجب فعلاً التفكير ولو عند أضعف المستويات حول كيفية تحفيز زيارة لبنان وخصوصاً أن القطاع السياحي في العالم يشهد نمواً لافتاً، حيث من المتوقع أن يرتفع عدد السياح في العالم من 1.1 مليار سائح تقريباً عام 2013 إلى 1.8 مليار سائح دولي بعد 15 سنة فقط. مع العلم أنه في عام 1950 كان هناك 25 مليون سائح عبر الحدود فقط!
اليوم يُعدّ القطاع السياحي مسؤولاً عن قرابة 10% من الناتح العالمي أي من اقتصاد العالم، كذلك فإنّ وظيفة من كلّ 11 وظيفة في العالم هي سياحية.
وتزيد أهمية هذا القطاع في الحالة اللبنانية، فكلما انتعشت السياحة انتعش لبنان عموماً.
لذا فإن بيانات الإنفاق السياحي اللبناني تُعدّ مشجعة على أمل أن تُصبح مستدامة. وتأتي هذه التطلعات في وقت يحقق فيه لبنان رغم مشاكله البيروقراطية وآليته الفاسدة المعقدة. ففي الفصل الأول من هذا العام أيضاً، سُجلت زيادة عامّة في أعداد الوافدين عبر مطار بيروت الدولي بنسبة 11.9%، فيما عدد المغادرين ارتفع أيضاً بنسبة بلغت 7.1%.
هكذا بلغ عدد المسافرين عبر المطار 1.375 مليون نسمة بارتفاع نسبته 9.3%.
هذا البيانات جيدة للسياحة اللبنانية، وتحفز الوافدين من الخليج على الانضمام إلى الحفلة والمجيء عبر الجو كون البر مغلقاً والسيارات معاقبة. حتّى اليوم قدم الوافدون من الربع الخالي لإغناء الربع الأول اللبناني في عام 2015، فهل تستمر الحركة حتّى موسم الصيف وصولاً إلى الربع الأخير؟

سياحة الخليج أم خليج السياحة؟