القاهرة - لعبت بساطة عبد الرحمن الأبنودي دوراً بارزاً في التأصيل للأغنية الوطنية المصرية. ربما لأن الشعر هو وجدان العرب، والأغنية هي حالة الشجن التي تصل لكل من لا يجيد القراءة والكتابة. قصائد الأبنودي الوطنية أشبه بالكرات الزجاجية التي تنكسر في عمق الروح وتتشظى إلى ملايين القطع الصغيرة التي تضيء عتمة الأيام.


تتحول كلماته كالحرباء المُرقَّطة لتلهب مشاعر الجماهير. تغنى بشعره عمالقة الغناء في مصر، وكانت أغنياته تذاع باستمرار على أثير الإذاعات المصرية والعربية في وقت الأزمات. رصد الأبنودي في شعره المحطات التي ظلّت فارقة في الوعي الجمعي المصري كالسد العالي الذي حاول الأميركيون عرقلته أكثر من مرة دون جدوى. كان السد العالي معادلاً موضوعياً لآمال المصريين الذين رأوا فيه مشروعاً قومياً. ومن طريق شخصية «حراجي القط» الذي يرسل «جوابات» إلى زوجته فاطمة عبد الغفار التي تسكن جبلاية الفار، استطاع أن يلخص فكرة السد العالي، وما نتج منه من سلبيات وإيجابيات. وفي عام 1966 اعتُقل الأبنودي وصودرت أوراقه التي تضم كل الأشعار التي كتبها، ومن بينها ديوانه الشهير «جوابات حراجي القط». محاولات عديدة حاول الأبنودي من خلالها أن يعيد حراجي القط إلى الحياة، وأن يضعه على جهاز التنفس الاصطناعي. ظلّ السؤال يتردد لماذا اختار الأبنودي شخصية حراجي لتورية قصة السد العالي رغم أنه لم يره قط، ويجيب الأبنودي عن ذلك بقوله: «حراجي نسبة إلى الأرض الحرجة، وقد كان عريضاً وضخم الجسم، وكان لعبه عنيفاً معنا، لكنه كان ساذجاً بشكل جميل». يقول على لسان حراجي: «في الراديو يا فاطنة يقولوا/ بنينا السد..بنينا السد/ لكن محدش قال/ السد بناه مين/ بنوه كيف/ نايمين ولا قاعدين»
أما المطرب الكبير عبد الحليم حافظ، فقد لعبت انحيازاته الفنية والقومية دورها في التقرّب من الأبنودي الذي كتب له مجموعة كبيرة من أشهر أغنيات تلك المرحلة، وجاء على رأسها «عدى النهار». كانت تلك الأغنية أشبه بمانيفستو غنائي يعلن عودة مصر أخرى إلى قلب الحياة بعد هزيمة الـ 1967. وكانت الإذاعات ترددها بشكل متواصل، ومن بينها إذاعة «الشرق الأوسط»، وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من أشدّ المعجبين بها. يقول الأبنودي: «عدى النهار/ والمغربية جايه تتخفى ورا ضل الشجر/ وعشان نتوه في السكة/ شالت من ليالينا القمر/ وبلدنا ع الترعة/ بتغسل شعرها/ جاها نهار/ مقدرش يدفع مهرها». كما سجّل مع الأبنودي أغنيته الشهيرة «أحلف بسماها وبترابها» و«إبنك يقولي يا بطل» من ألحان كمال الطويل.
لم تتوقف مساهمات الأبنودي هنا. شارك بكلماته في الفيلم الخالد «أغنية على الممر» (1972) من بطولة محمود مرسي، ومحمود ياسين، وصلاح السعدني، وهالة فاخر. صوّر الفيلم كتبة مصرية تم محاصرتها والقضاء عليها في سيناء بعد هزيمة 1967. تظلّ كلمات الأبنودي في المشهد الذي يطحن فيه العمّال الحبوب في الصوامع هي الأصدق حين يرددون: «أبكي أنزف أموت، وتعيشي يا ضحكة مصر».