صنعاء | في وقتٍ ترفض فيه السعودية الاعتراف بإخفاقها في تحقيق أهدافها على الأرض، كانت جماعة «أنصار الله» تمضي في تغيير خريطة النفوذ والسيطرة العسكرية فيها لمصلحة الجيش و»اللجان الشعبية»، في أبلغ ردٍّ على العدوان. مع انتهاء العمليات العسكرية، باتت الجماعة تسيطر على كل المحافظات اليمنية، باستثناء حضرموت والمهرة وجزيرة سقطرى (جنوب شرق)، وبعض المناطق في محافظتي مأرب (شمال شرق) وتعز (وسط).


لم يثنِ القصف الجوي الذي استمرّ 26 يوماً الجيش و»اللجان الشعبية» عن التقدم جنوباً، مقابل تساقط مناطق نفوذ تنظيم «القاعدة» والميليشيات الموالية للرئيس الفار عبد ربه منصور هادي بوتيرة متسارعة، رغم مساندة طائرات العدوان السعودي الكثيف على الطرق والمعسكرات والأهداف الثابتة والمتحركة في الجبهات المتعددة والمتباعدة في الجنوب والشمال، إضافةً إلى إسقاطها المتكرر للسلاح والعتاد لدعم هذه المجموعات. منذ بدء العدوان، كانت الخريطة العسكرية اليمنية تضيق في وجه السعودية يوماً بعد يوم. ويستطيع المتابع للتحركات العسكرية في البلاد، ولا سيما التي انطلقت في نهاية شهر آذار الماضي، بناءً على دعوة زعيم «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، إلى «التعبئة العامة» لملاحقة «القاعدة» جنوباً بعد تفجير جامعي الحشوش وبدر في العاصمة صنعاء، أن يلاحظ التغيير الكبير الذي حدث على الأرض لمصلحة الجماعة، خصوصاً في الجنوب. وعقب السيطرة على عدن وفرار هادي، الذي أطلق شرارة العدوان، تمكنت الجماعة برغم الضربات الجوية، في غضون أقل من شهر من أن تطهر المحافظات الجنوبية بكاملها، ما عدا حضرموت وبعض البؤر التي تظهر بين الحين والآخر في عدن وشبوة وأبين، حيث اندلعت معارك بين «اللجان» والجيش من جهة، وبين «القاعدة» وداعميها من جهة أخرى، مثلما حصل خلال اليومين الماضيين في منطقة الوضيع في عدن، مسقط رأس هادي، وفي مناطق أخرى في شبوة. ويؤكد ناشطون جنوبيون أن الجيش و»اللجان» أصبحوا عملياً يسيطرون على الوضع في الجنوب، حيث باتوا يسيرون العمل الحكومي والعسكري، رغم ذلك، يظلّ تطهير هذه المناطق بكاملها، غير سهلٍ، وقد يحتاج إلى وقتٍ، خصوصاً في ظلّ الغطاء الجوي الذي توفره طائرات «عاصفة الحزم» للمسلحين.
انطلاقاً من هذه الحقيقة، لا تزال محافظة حضرموت تمثل حجر عثرة في طريق بسط سيطرة الجيش و»اللجان» على كامل المحافظات الجنوبية. وتشكل المحافظة، ذات المساحات الشاسعة، ثغرة يمكن أن يدخل عبرها العدوان براً او بحراً. فبالإضافة إلى سيطرة «القاعدة» على المكلا خلال الأسبوعين الماضيين، بدأ التنظيم بالتحرك للسيطرة على حقول النفط والمصافي وخطوط التصدير الاستراتيجية، بحسب مصادر محلية، قالت إن قادة عسكريين يستسلمون للتنظيم من دون أدنى مقاومة، مضيفاً أن سيطرة «القاعدة» على المكلا وبعض المناطق والمعسكرات على حضرموت، «جرى بالتنسيق مع هادي ومع قيادات موالية له».
وبحسب ناشطين، إن القيادي في «القاعدة»، خالد باطرفي، الذي خرج بعد اقتحام التنظيم لسجن المكلا قبل أسابيع مطلقين سراح 300 سجين، أجرى بعد خروجه مكالمة هاتفية من داخل القصر الجمهوري، مع وزير الخارجية بالوكالة، رياض ياسين، أكد له فيها نجاح عملية إسقاط المكلا بأيدي عناصر التنظيم، وذلك بحسب صور نشرها ناشطون تظهر باطرفي من داخل القصر.
الجيش اليمني الذي كان إلى 21 أيلول الماضي، تاريخ سيطرة «أنصار الله» على اليمن، واقفاً على الحياد في معركة «أنصار الله» مع «القاعدة» ومسلحي حزب «الاصلاح» (الإخوان) في الشمال طوال نحو عامين، وقف مباشرةً إلى جانب ثورة «أنصار الله» بمجرد فرار اللواء علي محسن الاحمر الذي كان يمتلك نفوذاً كبيراً على الجيش والقبيلة اليمنية.
بسقوط محافظة عمران بيد «أنصار الله» في حزيران 2014، فقد علي محسن الأحمر و»الاصلاح» العمود الفقري لنفوذهم في البلاد، ثم جاء «21 سبتمبر» حين جرت السيطرة على صنعاء خلال ساعات وسقطت معها الجوف وحجة وذمار وأب والحديدة ومن ثم البيضاء التي كانت معقلاً مهماً من معاقل «القاعدة» في الشمال ونص اتفاق «السلم والشراكة» على معالجة وجود «القاعدة» فيها بالتعاون بين الجيش والشعب، وبعد مماطلة الحكومة في تنفيذ ما يخص مأرب والبيضاء، تم تطهيرها منتصف شباط الماضي، ليصبح الشمال كاملاً في قبضة جيش الثورة و»اللجان الشعبية» عدا مأرب التي نص اتفاق «السلم والشراكة» أيضاً على معالجتها ضمن منظومة معالجات كان يفترض أن تنجزها سلطة الكفاءات، وهو ما لم يتحقق حتى استقالة الحكومة وهادي.
أما في تعز التي بقيت خارج الحسابات العسكرية نظراً إلى طابعها المدني، عمد العدوان إلى إشعالها اليوم من خلال احياء بؤر وخلايا تابعة للاصلاح و بعض الوحدات العسكرية التي توالي هادي والتي نجحت في فتح جبهة تحت غطاء جوي تقوم به طائرات العدوان، وهو ما اخذ تعز الى حضن معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل. وتبقى السيطرة الكاملة على تعز، المدينة الاستراتيجية، سيكون لها أحد أكبر الآثار على الأحداث، لكون تعز تضم باب المندب وميناء المخا، وتتصل بمحافظات جنوبية هي عدن ولحج والضالع، وشمالية هي إب والحديدة.
وفي شرق شمال اليمن، يعتقد مراقبون أن الحسم العسكري في مأرب سيكون إعلاناً لخريطة شمالية خالية من «القاعدة» والنفوذ السعودي السياسي والعسكري. وأفادت مصادر ميدانية في مأرب، بأن الجيش و»اللجان الشعبية» باتت تسيطر على ما يقارب 80% من مساحة المحافظة، على اعتبار أن «القاعدة» والوحدات العسكرية الموالية للواء الفار علي محسن الأحمر، الزعيم العسكري في حزب «الإصلاح» سابقاً، باتت محصورة في مناطق محدودة بعد دحرها من معظم مديرية صروح والسيطرة على مديرية المشجح التي تربط بين منطقتي السحيل ونخلا، اللتين تعتبران أهم معسكرين لـ»القاعدة» وعناصر «الإصلاح» هناك.
وأكدت المصادر أن الجيش و «اللجان الشعبية» باتوا على تخوم معسكر كوفل الذي تسيطر عليه «القاعدة» و»الاصلاح». وكانت السعودية بعد «ثورة 21 سبتمبر»، وعقب توقيع اتفاق «السلم والشراكة» الذي نصّ على مساعدة الأهالي في مأرب لتطهير مناطقهم من «القاعدة» قد أعلنت أن أي مساس بمأرب يعد مساساً بالرياض. وبحسب مصادر عسكرية، إن مأرب ليست كلها ميداناً للمعركة، مؤكداً أن قبائل كثيرة في مأرب ليست طرفاً في المعركة، وأنها لا تمثل عائقاً أمام تحرّك الجيش و»اللجان الشعبية» الذين باتوا على مشارف المدينة مأرب حيث «لم يبق الكثير». في هذا السياق توضح المصادر أن مناطق صرواح وبراقش والجدعان في مأرب باتت شبه محسومة، فيما يصبح التعويل على مناطق نخلا والسحيل ومعسكر كوفل، التي إذا حسمت، «تكون مأرب قد عادت إلى حضن الجمهورية من جديد».