لا يكف اللبنانيون عن الحديث عن الآثار السحرية لملعقة العسل على الريق، ويتبارى هؤلاء بالبحث عن أجود أنواع العسل، حتى يذهب بعضهم إلى الطلب من أقاربهم الموجودين في الخارج إرسال بعض أنواع العسل إليهم. في المقابل، يحظى العسل الجردي بسمعة جيدة، ومنه ذلك المنتج في أعالي جرود الضنية في الشمال حيث توجد أعلى قمم جبال بلدنا. هنا، يستغل قاطنو الجرود فرصة مجيء الربيع وتفتح زهوره لإطعام النحل الرحيق الطبيعي، وإنتاج العسل الذي يؤكد منتجوه أن «مذاقه مميز» وفيه العلاج الناجع لكل الأمراض والأسقام.


من بين قرى الضنية، تشتهر بلدة بيت الفقس في إنتاج العسل. وتوجد فيها واحدة من أنشط تعاونيات النحل في لبنان، وهي تمتلك مبنى خاص بها وكذلك معملاً خاصاً لصناعة الشمع، وتجهد هذه التعاونية لرفع مستوى الإنتاج والمحافظة على نوعيته، وتقديم الإرشادات حول تطوير العمل وتربية النحل وشراء الملكات الجديدة. في هذه القرية يتحوّل العمل لإنتاج العسل إلى نشاط جماعي يمارسه المزارعون جميعاً، ولا يغيب عنه الموظفون والمدرّسون فيتنافسون في عدد الأجران وكمية الانتاج وجودة الملكات، ومن ثم في التسويق والبيع.
يشير أحد الشبان، والذي يعمل كأستاذ مدرسة، إلى أنه لا يعتمد في معيشته على التعليم وراتبه المحدود فقط، وإنما على العمل مع النحل وانتاج العسل «مردوده جيد ويؤمن الحد الأدنى من الدخل الثابت، فالعسل سلعة مرغوبة والطلب عليها مستمر». وعن طريقة التسويق يقول إنها تتم إما بصورة مباشرة أو من خلال وسطاء «أحياناً يشتري منا بعض أصحاب المحال كميات كبيرة، حيث يأخذون ألواح الشمع والعسل وهم يتولون تصفية العسل منها أو بيعها مع شهدها، وهناك أشخاص يفضلون العسل المصفى، فأذواق الناس تتفاوت».
يجري تصنيف أنواع العسل بحسب اللون والمرعى، فهناك العسل الزهري اللون الفاتح، وعسل السنديان ذو اللون الأسود الغامق، أما عسل اللزاب فهو الوسط البَينَ بَين.
ويحتاج إنتاج العسل إلى جهد مستمر في كل أيام السنة، حيث ينقل المزارعون الأجران بين الجرد والساحل لتأمين الظروف المناسبة للنحل. ففي الشتاء ينقل الى الساحل هرباً من البرد، وفي الربيع يؤخذ الى حقول الليمون. وابتداءً من شهر أيار ينقل الى مرعى السنديان أي إلى المناطق التي يزيد ارتفاعها على ستمئة متر عن سطح البحر. وفي شهر حزيران وعندما يصبح الطقس حاراً، يبدأ النحل برعي الزهور.
وفي مثل هذا الموسم من كلّ سنة يتكاثر النحل. كلّ فرخ يصبح خلية، ولكل خلية ملكة ومهمتها أن تبيض في حين يلعب باقي النحل في الخلية دور الخدم ومعلوم ان نحل الخلية هو نتاج تفقيس البيض الذي تضعه الملكة فهم بمثابة الأبناء.
ويتحدث أحد منتجي العسل في الضنية من آل حسون عن أصول الملكات المختلفة، مشيراً إلى وجود انواع عدة يجرى تحديدها على ضوء لون الملكة الأم، الإيطالي الأصفر والأوكراني الأسود بالاضافة الى القوقازي الأسود والذي يتميز بصغر حجمه. وعما إذا كان هناك أي تأثير للملكة في جودة العسل والانتاج؟ ينفي حسون فالتأثير «هو للمرعى ولا علاقة للملكة به». ويقول أحمد، وهو أحد المربّين، أنه بدأ بنقل أجران النحل إلى منطقة الساحل في سهل المنية لتجنب البرد والفروق الحرارية الذي يضر بالأفراخ ، لافتاً إلى أن كثافة الزهور في الساحل تتيح الحصول على إنتاج وفير.
ويذكر مربّو النحل في هذا الإطار أن موسم إنتاج النحل تعرّض هذه السنة لأضرار كبيرة بسبب التغيّرات المناخية المفاجئة والصعود والهبوط المفاجئ بالحرارة. فيقول حسون إنه لم يرَ مثل هذا الموسم السيئ منذ ثلاثين سنة، إذ «أثّر المناخ كثيراً في العسل وانخفضت الانتاجية إلى حد كبير».
هل هذا الإنتاج هو الذي يدفع البعض إلى الغش؟
يشير أحد المربين الى ان النحل يتطلب عناية بالغة، ونظراً إلى عدم وجود زهر في ايام السنة كافة تتم تغذيته في الشتاء بالسكر وبعض المركبات. وهنا نكون قد دخلنا دائرة الغش. «ممنوع التدخل في العسل من حيث المبدأ، والغش هو عندما يجري خلط العسل بأشياء اخرى». ويمكن الإشارة إلى أن هناك طرقاً عدة لغش العسل «هناك بعض الشبان يطعمون النحل السكر حتى خلال فصل الربيع والصيف»، فيتهمهم محدّثنا بارتكاب «المعصية والخطيئة». ومن طرق الغش الأخرى «خلط العسل الجردي مع العسل الساحلي، فالعسل الساحلي رقيق وخفيف، ويتغذى من السكر وزهر الليمون، وعندما يتم خلطه مع العسل الجردي الكثيف، يقوم المنتج بالغش».
لكن هذه المحاذير لا تنقص من محبة العسل واستمرار طلبه. ويذكر حسان، الذي كان يعمل في إحدى دوائر وزارة المالية، أنه لا يزال يتلقى إلى اليوم اتصالات من زملائه القدامى ورغم تركه العمل منذ أكثر من عشر سنوات، تطالبه بإحضار العسل الجردي الأصيل. وهو، رغم عدم عمله في إنتاج العسل، لا يتردّد في شرائه عندما يتأكد من نوعيته الجيدة من أجل توزيعه على أشخاص محددين تربطه بهم علاقات شخصية.