غنّى بعض المطربين الشعبيين لـ»الخضر الأخضر»؛ كانت سميرة توفيق طالبته بأن يحرس حبيبها الأسمر الوسيم ذا العينين السوداوين في أغنيتها «يا خضر الأخضر»، وتوجه اليه أحمد قعبور زمن فلسطين القضية العربية المركزية في أغنيته الشهيرة «لاجئ سموني لاجئ»، كما يتوجه إليه المؤمنون مرددين في كنائس لبنان الترنيمة الآتية: «بما أنك للمأسورين محرّر ومعتق، وللفقراء والمساكين عاضد وناصر، وللمرضى طبيب وشاف، وعن الملوك مكافح ومحارب، أيها العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر تشفع الى المسيح في خلاص نفوسنا»، لمناسبة عيده اليوم.

«الخضر» أو القديس جاورجيوس أو «سان جورج» أو مار جرجس أو مار جريس... كلّها أسماء لشخصية حاضرة في يوميات بعض اللبنانيين، خصوصاً في بيروت القديمة، حيث ثمة مزار لها، قابع في كاتدرائية القديس جاورجيوس لطائفة الروم الأُرثوذكس بوسط المدينة، الكاتدرائية البهية في معمارها، الذي يتقدّم سوق النورية. بدوره، يفيد بعض المراجع أن مار جاورجيوس هو شفيع بيروت. تقول الأسطورة إن تنيناً سلب أهل المدينة مصدر مائها الوحيد، وذلك حين بنى عشّه عند مدخل النبع. لذا، ارتأى المدينيون أن يقدموا الخراف للتنين لزحزحته عن نبعهم المسلوب، لكن نفاد هذه الخراف جعلهم يفكرون بخطة بديلة لم ترق إلى ما دون استبدال الخراف بأرواحهم، حيث كان يضحى يومياً بنفس بحسب القرعة.

وصودف أن وقعت القرعة يوماً على أميرة، الا أن مرور مار جرجس بالمكان أنقذ الفتاة من الموت، إذ قاتل التنين وخلّص الأهالي منه، فاعتنق السكان على الأثر المسيحية امتناناً له. الأسطورة المحملة بتفاصيل مختلفة وصور بلاغية بحسب راويها هي موضوع أيقونات عدة تصوّر مار جرجس ممتطياً جواده ومتحامياً بصليبه، علماً أن كل من يوردها يصلها بمكان جغرافي مختلف.
في اقتفاء أثر القديس الذي يجلّه المسيحيون من أتباع الكنيسة المشرقية، وقلة من سكان المدينة من المسلمين، الذين يناجونه لنشلهم من مصائبهم أو يتقربون إليه بالنذور لشفائهم من أمراضهم المستعصية أو يطلبون شفاعته، يحدثنا المتقدم في الكهنة جراسيموس عطايا في كنيسة مار الياس بطينا، ان «الشهيد العظيم، كما يلقب في الكنيسة الشرقية الأُرثوذكسيّة، ولد لأب كابادوكي (تركيا اليوم) ولأم فلسطينية، وكان قائداً آمراً لألف جندي في حرس الامبراطور الروماني ديوكلتيانوس، فاشتهر في الحروب حتى لُقّب بــ»الظافر» أو «اللابس الظفر». بعدما أخفى جاورجيوس ايمانه طويلاً، جاهر معترفاً بالمسيح، فكابد جراء ذلك كل صنوف العذاب، من دون أن يثنيه ذلك عن قيادة كثيرين إلى معرفة الحق. لكنّ قطع رأسه أخيراً، ونقل جسده إلى مسقط رأس أمه في قرية اللد بفلسطين، حيث حفظت الرفات في الكنيسة التي ارتفعت محملة باسمه، علماً أن بعض المراجع يفيد أن الرفات نقلت مجدداً الى مكان لم يحدد».
يحيط الكاهن عطايا مكتبه الكائن ضمن مدرسة مار الياس بطينا، والمكتظ بالأثاث ومتعلقات التزيين، بنسخة عن لوحة العشاء السري لدافنشي وبالكتب الدينية التي يقرأ لنا منها بعض الصفحات عن مار جاورجيوس، ولا يتنازل عن تثبيت الشاشة الصغيرة فيه على تلفزيون لبنان. ويطلعنا باسماً كيف أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تعترف بجاورجيوس قديساً، إلا أن رأسها قام في فترة ماضية بالتقليل من قيمة الرجل ونزع القدسية عنه، بخلاف الكنيسة الشرقية التي تعتقد أن أعماله الحميدة تدل على قربه من العلي، وإنصات الأخير له، وتعدّ أنه مثال لكل مؤمن وصلة الوصل بين الأرض والسماء وتحتفل به في الرابع والعشرين من نيسان من كل سنة، فيما يؤجل هذا الاحتفال إلى ما بعد 13 يوماً في فلسطين نظراً إلى اتباع كنيسة القدس التقويم اليولي غير المصحّح.
نغادر الكاهن عطايا متأملين شجرة الجميز البرية التي تفيد جذورها إلى أن عمرها يتجاوز المئة سنة التي تتوسط ملعب المدرسة، في بحث عن الخضر ضمن المصادر الاسلامية، فنعرف أن هذه الشخصية معروفة عند السنة بنبوتها وليس برسالتها، وأن ذكرها وارد في آيات من سورة الكهف، وأن نبي الله ورسوله موسى التقاها في مجمع البحرين الذي يختلف نسبه الجغرافي، فتعلّم منها أن فوق كل ذي علم عليم. إذن، لا نقاط التقاء بين «الخضرين»، سوى بعض أهل المدينة من السنة الذين لا يزالون ينادون مار جرجس عند التعرض لمكروه. لعل ما تقدم وحده كاف لسؤال مار جرجس أو من يشبهه أن يدبر بشجاعته أمور شرقنا المنكوب!