أحداث عديدة حصلت أمس. في الضنية مثلاً تجمع عشرات الطلاب والموظفين صباحاً على طول الطريق الرئيسية التي تربط الضنية بمدينة طرابلس. انتظر هؤلاء السيارات التي اعتادت أن تقلّهم يومياً الى أعمالهم إلا أنّ عددا قليل ظهر منها. يوم أمس، كان القانون يبث «الخوف» في هذه البلاد.


اختبأ السائقون الذين يعملون على نقل الركاب خلافاً للقوانين والانظمة في بيوتهم وآثروا عدم الخروج منها. وحدهم السائقون العموميون القانونيون كانوا فرحين بازدياد وتيرة عملهم. يقول رئيس اتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية عبد الأمير نجدي بـ»فخر» إنّ «الدولة عندما حسمت أمرها خفضت زحمة السير بنحو كبير. فقد تبيّن لنا أن عدداً هائلاً من السيارات هو غير قانوني، وذلك بسبب الاستهتار سابقاً في تنفيذ القوانين». يضيف نجدي: «جميع سائقي السيارات العمومية غير القانونية لزموا بيوتهم. كل من لديه سيارة مازوت أو نمرة بيضاء يستخدمها كعمومي اختفى، إضافة إلى السائقين غير اللبنانيين». تمنّى نجدي أن يستمر التشدد في تطبيق القانون لكنه أبدى تخوّفاً جدياً من إمكانية التراجع عن هذه الخطوة.
أما في صيدا، فاعتصم عدد من السائقين العموميين العاملين على سيارات خاصة في ساحة النجمة احتجاجاً على منعهم من العمل بموجب قانون السير الجديد مع سريان تطبيقه. وفي طرابلس قام عدد من المواطنين بحرق الإطارات احتجاجاً على قانون السير الجديد.
أقرّ القانون منذ 3 سنوات بعد تحركات لعدد من الجمعيات استغرق 10 أعوام. تقول زينة قاسم إن أهمية القانون تكمن في أن القانون القديم كان يوازي «بين المشاة والغنم».
زينة قاسم، هي والدة شاب (طلال- 17 سنة) قتل صدماً في عام 2010 من قبل سائق كان يقود بسرعة جنونية على طريق غير دولية، أسست جمعية Roads for life على وقع هذه الحادثة. تتحدث قاسم عن صعوبات واجهتهم في محاولتهم فرض تطبيق القانون الجديد، ومنها صدور قرار «غير دستوري وغير قانون» من قبل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي باستئخار تطبيق القانون، إلا أن مجلس شورى الدولة أصدر قراراً طلب من الدولة التطبيق الفوري لقانون السير الجديد، ولم يكترث أي من المعنيين بهذا القرار القضائي.
لا ترى قاسم أن تقصير الجهات المعنية بتطبيق قانون السير الجديد عفوياً، بل «نتلمس وجود لوبي مضاد للوبي الذي حاول ولا يزال يحاول تطبيق هذا القانون، هذا اللوبي يريد مهما كلف الثمن عرقلة تطبيقه خدمة لمصالح معينة، وهو قام بحملة مبرمجة تشيع حججاً واهية لا قيمة لها، منها أن الغرامات المفروضة مرتفعة، وهو اللوبي نفسه الذي دفع الرئيس ميقاتي الى استئخار تطبيق القانون». يعود ذلك، بحسب قاسم، لوجود مؤسسات ومجموعات خدماتية مرتبطة بالسلامة المرورية، منهما مؤسسات خاصة ومنها رسمية، «كانت فاتحة دكاكين على حسابها ومستفيدة من التفلت في تطبيق قانون سير»، (مكاتب تعليم القيادة، مستوردي السيارات المستعملة من الخارج، السائقون المخالفون، السماسرة في النافعة المرتبطين بعدد من الموظفين وغيرهم...). ترى قاسم أن هذا القانون يضع معايير صارمة، ما يعوق عملها غير الشرعي، «يهمها عدم تطبيق القانون لتبقى مستفيدة».
هذا اللوبي يحاول إثارة الرعب بين المواطنين، خاصة في مسألة الغرامات المرتفعة، تقول قاسم، «الغرامات المفروضة مماثلة للمعتمدة في العديد من دول العالم. يجب أن يعي المواطن أن هذه الغرامات تحميه من غيره وتحمي غيره منه، وتحمي أطفالنا (...) فالمليون ليرة والمليونان، أقل بكثير من كلفة تابوت خشبي أو تكاليف دفن».
الجدير بالإشارة أن التهويل من الغرامات يركّز على مخالفات الفئة الخامسة، وهي لها علاقة بمخالفات جسيمة تتعلق بالقيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات وتجاوز السرعة المحددة بأكثر من 60 كلم في الساعة، أي إذا كان السائق يسير بسرعة 160 كلم/س على طريق ليس مسموحاً السير عليها بسرعة تفوق 100 كلم/س، وهذا النوع من المخالفات يعتبر المسبب الأول للوفاة على الطرقات!
«ما حصل البارحة إيجابي جداً، وبدأ الناس يسوون اوضاع مركباتها، ويلتزمون الإشارات الضوئية والسرعة المحددة وغيرها من الأمور»، وفق ما يقول كامل ابراهيم أمين سر جمعية «اليازا»، التي أسهمت بصياغة نصوص قانون السير الجديد، الا أن التحدي الحقيقي اليوم «أن نستمر في الأشهر المقبلة ضمن خطة محددة واستراتيجية للسلامة المرورية يفترض بالمعنيين رسمها»، يتحدث ابراهيم عن ضرورة «تطبيق القانون على جميع المواطنين، ليشعروا بالمساواة وأن القانون لمصلحتهم»، ويحدد أربعة عناصر لردع المواطن عن ارتكاب المخالفة:
- حتمية العقوبة: أي عدم قدرة المواطن على الإفلات من العقاب من خلال «الواسطات» أو «الرشوة».
- السرعة في التبليغ: في حال ضبط مخالفة السرعة مثلاً يفترض على الجهات المعنية ابلاغ المخالف سريعاً، ليعرف بارتكابه العقوبة وعدم تكرارها.
- قيمة الغرامة المرتفعة: تحديداً على المخالفات التي تشكل ضرراً يسبب الموت للمواطنين.
- اقناع المواطن بأن القانون هو لمصلحته: الثقة التي تبنى بين عناصر قوى الأمن (وقد شهدناها أمس) لها الدور الأبرز في دفع المواطنين إلى التزام القانون.