في تشرين الأول عام 1992، وقف الرئيس التركي طورغوت أوزال أمام مؤتمر القمة الأول «لزعماء الجمهوريات التركية»، قائلاً: «إذا لم نرتكب أخطاء، فالقرن الحادي والعشرون سيكون قرن الأتراك». كانت أنقرة متلهّفة لجمع دول «العالم التركي» تحت مظلّتها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. دولة بتراث عثماني وفلسفة وقوة مصطفى كمال أتاتورك لا «ينتزع» منها اعترافات وتنازلات بسهولة. تخنق السياسة والاعتبارات القومية كل ما يتعلّق بالإبادة الأرمنية. مئة عام ولم تغيّر تركيا كلمة واحدة من «معزوفة» الحرب الأهلية ومرض التيفوئيد اللذين أوديا بحياة عشرات الآلاف، بينهم عدد كبير من الأتراك.


في يريفان والشتات الأرمني الرد واضح: القاتل واحد من جمال باشا السفاح إلى رجب طيب أردوغان. يتقن الأرمن نسج تفاصيل حكاياتهم. يشعر الأطفال كما الأجداد بانكسار مشابه. يتناقلون الصور والأخبار والكلمات. من جبال «أرارات» السليبة إلى ملايين الأرمن حول العالم، الدافع النفسي ــــ المعنوي متشابه. زائر يريفان يشعر بعطف الدياسبورا على بلده. تصبح أسطورة اللبناني في الخارج دعابة أمام فعل أموال وضغط الأرمن حول العالم خدمة لقضيتهم. تركيا الرسمية قدّمت «تنازلاً» وحيداً، على لسان رئيس وزرائها أردوغان عندما قدّم تعازيه لأسر ضحايا الأرمن. بلاده تصفها بـ«المأساة»، وتدعو إلى حل القضية عبر منظور «الذاكرة العادلة». هذه «الذاكرة» اقتربت من الحلول في الرأس في مدينة زيوريخ عام 2009، حيث أعلن الجانبان، عبر وساطة سويسرية، توصلهما إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بينهما «خلال فترة معقولة في إطار مخطّط مؤلف من ثلاث مراحل...». حينها، أكدت الخارجية الأرمينية أن الحدود بين البلدين ستفتح، وستستحدث لجنة مشتركة مكلّفة النظر في «البعد التاريخي» للخلافات.
لم يدخل الاتفاق حيزّ التنفيذ، فالمجلس الدستوري الأرمني لم يوافق عليه، وأذربيجان جنّ جنونها لجنوح حليفتها وراعيتها نحو صلح مع «مغتصب» إقليم ناغورنو كاراباخ وسبع مقاطعات محيطة.
المسألة أبعد من «إبادة» رغم الحِمل الأخلاقي الكبير الذي يلفّ المسألة. للكلام عن الإبادة، علينا المرور بالراهن السياسي. برلمانات أوروبية «استفادت» من «تركيا الإسلامية» لتعترف بها. تركيا في الاتحاد الأوروبي؟ تمزحون، لسان حالهم يقول. يريد بعض الغرب الأوروبي أن يثبت للتركي أنّ جدّه قاتل. وسيحتفل العالم سنوياً بهذا الجرم.
وقد تتطوّر القضية إلى ما يشبه «المحرقة» النازية، وما تحمله من تبعات أخلاقية وقانونية.
من لديه مصالح مع تركيا لم يلفظ كلمة الإبادة. راعي الديموقراطية و«الخصوصيات الإثنية والثقافية» الرئيس الأميركي باراك أوباما لم (ولن بعد تأكيد البيت الأبيض قبل يومين) يقلها. البحث عن «إبادة» خلال حرب عالمية إضافة إلى إسقاطات سياسية لن يصل إلى نتيجة.
أرشيفنا مفتوح يقول أحمد داوود أوغلو، ويطلب من بريطانيا وفرنسا المشاركتين في الحرب في المنطقة فتح أرشيفهما. من 24 نيسان 1915، تاريخ بدء «العدّاد» الأرمني حتى اليوم، «صدف» تاريخية عديدة كانت ستوفّر على الأرمن سياسات وأولويات بسبب الإبادة. هل كان يكفي الاعتراف إن حصل على لسان إحدى الحكومات التركية الكثيرة المتعاقبة؟
أرمينيا ستواصل إحياء ذكرى شهدائها. إلى جانب الإبادة ستطالب بأراضيها داخل تركيا، التي
وردت في دستورها («أرمينيا الغربية») بعد الاستقلال عام 1991، للدلالة على أراضي شرق تركيا الحالية.
في تركيا، بين الناس المسألة ليست في حزب العدالة والتنمية الحاكم أو الأحزاب القومية. أمس، أحيا سكان أرضروم ذكرى أقاربهم «الذين قُتلوا على أيدي العصابات الأرمنية بين عامي 1906 و1922». في الإعلام التركي، مدينة أرضروم (شمال شرق) حيث «قتل 450 شخصاً» تشكّل عيّنة مما تحفل به الشاشات والصحف عن حرب مشؤومة ومجازر متنقلة ومآس حلّت على العثمانيين الأرمن والعثمانيين الأتراك...
اليوم سيحيي مئات الآلاف حول العالم الذكرى المشؤومة. سيضيئون الشموع ويطالبون تركيا باعتراف واعتذار. في قصر شنقايا، ستصل الرسائل تباعاً للرئيس التركي. مكتبه سيعمل على توزيع الردود والتهديدات واستدعاء السفراء.
هذه الفرصة (سقوط الاتحاد السوفياتي) تلوح للمرة الأولى منذ ألف سنة، نُقل عن أوزال.
«من الأدرياتيك إلى سور الصين»، جملته الشهيرة.
اليوم، يسير أردوغان على هذه الخطى. من تركستان في الشرق الآسيوي إلى ألبانيا الأوروبية، يتدخّل في السياسات ويبني «العلاقات الأخوية» منصّباً نفسه زعيماً لقوّة عظمى متصاعدة.
حتى يومٍ يبدو بعيداً، ستكون الشموع والحناجر رفيقة درب الأرمن.