خلع الشيخ أحمد الأسير طاقية الصوف السوداء ووضع محلها «قلنسوة» الصلاة البيضاء. كانت هذه الحركة الوحيدة التي أتى بها الأسير طوال جلوسه لنحو ساعة، محاطاً بعناصر الشرطة في قاعة المحكمة العسكرية. بعباءة رمادية ونظّارة سوداء طبية ولحية كثّة طالت قليلاً عن الجلسة السابقة، جلس إمام مسجد بلال بن رباح بوجهٍ عابس مستمعاً قبل أن يُستدعى بصفة شاهدٍ، لا مدعىً عليه، رغم اعتراض اثنين من وكلائه عبد البديع عاكوم وأنطوان نعمة. خلفه بمقعد، أُجلِس الموقوف نعيم عبّاس بوجهه الدائم التبسّم. أما في الجهة الأخرى من القاعة، فجلست والدته وزوجته اللتان أُخضعتا لتفتيشٍ دقيق على مدخل المحكمة، والى جانبهما شرطية.
في تمام الثانية عشرة والنصف افتُتِحت الجلسة. بدأت هيئة المحكمة باستجواب الموقوف هيثم حنقير، أحد مرافقي فضل شاكر، بحضور وكيلته تهاني شحادة. الموقوف سلّم نفسه قبل ثلاثة أشهر إلى القوى الأمنية، زاعماً أنّ لا علاقة له بما جرى من أحداث مسلّحة. وأكّد أنّ علاقته بالفنّان التائب ـــــ الهارب تعود إلى ما قبل تديّن الأخير، إذ كان حنقير يوصل كل يومين طلبية سمك لشاكر الذي «يُحب أكل السمك»، نافياً أن يكون قد عمل حارساً شخصياً لشاكر في فيلته في صيدا، أو بيته داخل المربع الأمني لمسجد بلال بن رباح. وأكد أنّه، يوم اندلاع معركة عبرا، حضر إلى منزل شاكر حاملاً كمية من الأسماك سلّمها إلى ابن شقيقه عبد الرحمن شمندر.

الدفاع: مهلة الإرجاء تفيد ان سيناريو التبادل مع "داعش" ممكن وتفسح المجال لتسليم شاكر نفسه
وأثناء انتظاره الأخير لإعطائه ثمن الطلبية، سلّمه شمندور بندقية طالباً إليه الوقوف كحارس على مدخل البناية ريثما يعود! وقف حنقير نحو ساعتين من دون أن يعود شمندر، ولمّا حان وقت الصلاة قصد المسجد ليصلّي فيه، لكنّه سمع صوت إطلاق نار فترك بندقيته وأسرع إلى الملجأ الذي سبقه إليه عدد من الشبان قبل أن يلحق بهم فضل شاكر ليُبلغهم: «كل واحد يدبّر راسو». وذكر حنقير أن شاكر استأجر منزلاً لعدد من الشباب في محلة التعمير، وكان يُرسل لكل منهم مبلغ ٢٠٠ دولار. وتحدّث عن اجتماع شاكر بممثلٍ عن قائد الجيش يُدعى «العميد الحسيني»، في مطعم يملكه شاكر في صيدا قبل أحداث عبرا، لتسوية أوضاع عدد من مرافقيه الذين ظهروا مسلحين أثناء تشييع لبنان العزي، أحد انصار الأسير في تشرين الثاني 2011. وأبلغ حنقير رئيس المحكمة أن الاجتماع أثار حفيظة الأسير الذي طلب من شاكر أن ينسحب من عبرا. لكن رئيس المحكمة لم يقتنع بأقوال المتّهم لجهة قيام العميد بالتفاوض باسم الجيش فنادى على أحمد هلال الأسير. هنا وقف الشيخ الموقوف رافعاً يده للإجابة على سؤال رئيس المحكمة العسكرية. أُخرِج من مكانه ليمثل لأوّل مرة أمام هيئة المحكمة مباشرة، لكن كشاهد. ووسط اعتراض وكلاء الدفاع على الإستماع إلى موكلهم كشاهد، ردّ العميد طلبهم لأن الشاهد لا يحتاج إلى محامٍ. وتوجّه إلى الأسير مستفسراً عن حقيقة اجتماع شاكر بالعميد الحسيني، فأجاب الأسير بصوت هادئ: «لا أعرف بخصوص اجتماعه أو مع من، لكن فضل أخبرني أنّه اجتمع مع مسؤولين من الجيش واتفق معهم على تسليم بعض سلاح مرافقيه مقابل سحب مذكرات التوقيف الصادرة بحقهم. فضل كان قد حضر إلى الحي بعد حادثة مقتل لبنان العزي. أخذ بيتاً واستأجر محلات رويداً رويداً. وكنا قد إتفقنا ضُمنياً إنّو أنا كإمام مسجد ما بدّي أي تصرّف فردي يُؤدي إلى زعزعة الوضع في المنطقة ولا بين أبناء الحي الواحد والجيران». تدخّل العميد مقاطعاً فردّ الأسير: «اسمحلي بس. أنا طلبت من فضل المغادرة مع شبابه، حتى لا يشكل وجودهم إحراجا لي». سأل العميد إن كان قد حصل ذلك في بداية شهر حزيران 2012، فأجاب الأسير: «لا أذكر التاريخ». ثم أضاف: «بدك تعرف عن مشكلتي مع فضل»، ثم صمت. قبل أن يطلب رئيس المحكمة إعادته إلى مكانه. استأنف بعدها العميد الاستماع إلى إفادة حنقير، فعرض عليه مجموعة من الصور التي تُظهره ملازماً لشاكر حيث ظهر في إحداها بلباسٍ عسكري. ثم أرجأ الدعوى إلى ٢٣ شباط.
بعدها، تلا العميد ابراهيم القرار الاتهامي، وفيه أن الأسير، تقدم بواسطة وكلائه، بمذكرة دفوع شكلية يطلب فيها بطلان التحقيقات الأولية وعدم اختصاص القضاء العسكري النظر بالدعوى لجملة أسباب، طالبين إخلاء سبيله ما لم يكن موقوفاً لداع آخر. وأضاف، «قررت هيئة المحكمة بالإجماع ردّ الدفوع الشكلية لعدم صحتها وقانونيتها وجديتها والسير بالدعوى من النقطة التي وصلت إليها، فاستمهل وكلاء الدفاع لاتخاذ موقف. ثم أرجئت الجلسة إلى 26 نيسان المقبل. ثم أعلنت هيئة المحكمة باسم الشعب اللبناني أنّّه حرصاً على حسن سير العدالة وللإسراع بالدعاوى والمحافظة على المصلحة العامة، ووفقاً للمطالعة النيابة العامة، تقرّر تفريع ملف الدعوى الراهنة إلى ملفين منفصلين. الأول يضم الشيخ أحمد الأسير وفضل شاكر و32 متهماً آخرين، والثاني يضم 38 متهماً هم الذين أنهت المحكمة محاكمة معظمهم وبدأت الاستماع الى مرافعات وكلاء الدفاع عنهم. وقد عُيّنت جلسة للمتهمين في الملف الأول بتاريخ ٢٦ نيسان، فيما المتهمون في الفئة الثانية سيحضرون بتاريخ ٢٣ شباط". وأوضح ابراهيم في الختام أنّ تقسيم المتهمين لم يجر بحسب الأفعال الجرمية المنسوبة إليهم، إنما تم عشوائياً، أي أنّه لم يقسم الملف إلى فئة موقوفين خطيرين وفئة أقل خطورة. علماً أن فصل الملفات كان قد رُفض سابقاً لاعتبار توقيف الأسير يعيد الأمور إلى نقطة البداية لكونه العقل المدبّر لأحداث عبرا. وقد علّق رئيس هيئة وكلاء الدفاع عن الأسير لـ «الأخبار» قائلاً: «كانت الجلسة منتظرة في ما ذهبت إليه. وطلب التفريع هو طلبنا منذ البداية واليوم استجيب لنا تحت وطأة الاجراءات وهو لمصلحة إنهاء الملف». واستيضاحاً عن مقصد نعمة في مسألة إنهاء الملف أضاف: «مهلة الإرجاء إلى ثلاثة أشهر و٢١ يوماً تفيد ان سيناريو التبادل مع داعش ممكن. كما أنّها تسنح المجال أمام تسليم فضل شاكر نفسه ايضاً».