علامات استفهام متعددة ترتسم حول المشاركة الكويتية في العدوان على اليمن سواء لناحية حجمها أو خلفياتها أو فاعليتها أو توقيت الإعلان عن كل فصل من فصولها. آخر المعطيات الواردة بهذا الشأن، تفيد بتوجه قوات من كتيبة المدفعية في الجيش الكويتي إبتداءً من يوم أول من أمس (الاثنين) إلى منطقة جيزان جنوبي السعودية، وذلك تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء إرسال قوات برية إلى الحدود بين اليمن والسعودية من أجل مساندة الأخيرة في صد ما سمته صحيفة «القبس» «العدوان الحوثي الذي تتعرض له المملكة». هذه المساندة ليست الأولى من نوعها، إذ سبقتها في الأشهر الماضية ثلاث حلقات مماثلة تجسدت في إرسال الكويت عددا من طائراتها للإسهام في عمليات التحالف السعودي الجوية، ثم إرسالها فرقة من سلاح الإشارة للمشاركة في العمليات المذكورة، فبَعثِها بقوة من المتخصصين في الرادار والرصد لدعم العناصر السعودية في المجال المشار إليه.
إلا أن الخطوة الكويتية الجديدة تمتاز عن سابقاتها بوضوح لناحية تطورها العملياتي والإقدام عليها فيما تستعد الأطراف اليمنية لجولة جديدة من المفاوضات منتصف الشهر الجاري وبالتوازي مع تعقد المأزق السعودي في اليمن، وتوالي المؤشرات على حرد مكتوم على خط الكويت ــ الرياض.
في تسييق القرار الكويتي الأخير، يبدو مفيداً الرجوع إلى الأشهر التي أعقبت إعلان السعودية عدوانها على اليمن في 26 آذار 2015. في ذلك الحين، أعلنت السلطات الكويتية مساندتها لقرار الحرب، وأرسلت 15 طائرة للمشاركة في الضربات الجوية على المناطق اليمنية. المفارقة هي أن الكويت بادرت في تلك المشاركة تحت شعار اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي ودونما الرجوع إلى البرلمان، في مخالفة صريحة للمادة 68 من الدستور الكويتي التي تنص على أن «الحرب الهجومية محرمة أما الحرب الدفاعية فتصدر بمرسوم أميري يعرض على مجلس الأمة».

لا يزال الخلاف السعودي الكويتي مستعراً حول حقول النفط

بناءً على هذا الأساس الدستوري، أطلق عدد من النواب الكويتيين حملة ضد مشاركة بلادهم في العدوان على اليمن، واصفين العملية العسكرية الخليجية بأنها تدخل في الشؤون الداخلية اليمنية، ومشددين على ضرورة الحل السلمي. في المقابل، برزت مواقف نواب ووزراء تبارك المساندة الكويتية للعدوان وتعدها تنفيذاً لالتزامات الكويت بالحفاظ على استقرار دول مجلس التعاون. تجاذب بدت البلاد في ظلّه على حافة انقسام حقيقي سرعان ما تزخم في مجلس الأمة الذي انعقد في 19 آذار الماضي بناءً على مطالبة النائب عبد الحميد دشتي باستجواب نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، صباح الخالد الحمد الصباح، على خلفية «مخالفة أحكام الدستور والتهاون في هيبة الدولة والإضرار بمقدراتها».
في الجلسة الصاخبة تلك، أوضحت السلطات الكويتية عزمها على المضي في موقفها حيث دعا الصباح إلى سحب طلب دشتي، فيما ذهب «الجناح السعودي» في البرلمان بعيداً في ترهيب الأصوات الرافضة لحملة «عاصفة الحزم». وبلغ الأمر ببعض النواب من أمثال سيف الهرشاني حد الاعتداء الجسدي على الرافضين والهمّ بضربهم. وترافق الترهيب السلطوي لمنتقدي «العاصفة» السعودية من البرلمانيين مع ترهيب مماثل لرافضيها من النشطاء السياسيين والحقوقيين. هكذا، أقدمت الكويت على اعتقال عدد من المعارضين والزجّ بهم في السجون بتهمة التطاول على سلطات أمير البلاد وإحباط الروح المعنوية لقوات الجيش والإساءة للسعودية، وكان في مقدمة هؤلاء الدكتور صالح الفضلي والمحامي خالد الشطي.
مع ما تقدم كله، لم تنجُ الكويت من الانتقادات السعودية «لتراخي موقفها حيال العدوان على اليمن»، إذ ظهرت إلى العلن أصوات موالية للبلاط الملكي تعيب ما عدّته «ميوعة» في الكلمة الكويتية باليمن، وتذكّر الكويت «بأفضال السعودية عليها في حرب الخليج الثانية». وعلى الرغم من حدة هذه الانتقادات وترافقها مع ضغوط سعودية على السلطات الكويتية لرفع مستوى مشاركة الأخيرة في «عاصفة الحزم»، ظلت الكويت حريصة على حفظ هوامشها والتحكم في درجة انخراطها في «المغامرات السعودية»، بل إن المسؤولين الكويتيين بادروا في التخفيف من وقع إرسال بلادهم طائرات إلى اليمن، وكانت أشهر تصريحاتهم في هذا الصدد قول وزير الخارجية إن «قرار المشاركة جاء إثر ضغوط سعودية وإنه جاء محدوداً واقتصر على عدد من الطلعات الجوية».
ومع تقدم عمر العدوان على اليمن، أظهرت الكويت جنوحاً متزايداً إلى النأي بنفسها عن المستنقع اليمني. ولعل أبرز علامة سجلت في السياق المذكور كانت نفي رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتي في أيلول 2015 إرسالها قوات برية إلى الأراضي اليمنية، مؤكدةً أن كل الإشاعات المتداولة عارية عن الصحة. بدا من ذلك كله، أن السلطات الكويتية تحاول إمساك العصا من وسطها، فلا هي تريد الإمعان في إغضاب السعودية، ولا هي معنية بالإخلال بتوازناتها الداخلية وبتغليب جناح المتشددين داخل كنفها والإضرار بعلاقتها بإيران. عزز هذا الاتجاه أن الكويت أعلنت في 28 كانون الأول الماضي موافقتها مبدئياً على استضافة محادثات السلام اليمنية منتصف كانون الثاني المقبل بحسب ما أكد وزير خارجية الرئيس اليمني الفار، عبد الملك المخلافي.
فهل تنسف الكويت من خلال خطوتها الجديدة المسار المعتدل الذي اتسمت به حيال العدوان على اليمن؟ حتى الآن، لا يبدو القرار الكويتي الأخير على خطورته أكثر من محاولة لتسكيت الرياض ولجم رجالاتها في الداخل. ويبرر الحكم الآنف الهيئة الخجولة التي تمظهر من خلالها إعلان إرسال القوات البرية إلى جيزان، حيث جرى تمرير التسريبات لصحيفة «القبس» عن طريق مصدر مطلع، في وقت امتنعت فيه وكالة الأنباء الكويتية الرسمية عن ذكر الإعلان في إيرادها مقررات مجلس الوزراء.
كذلك، فإن ما يقوي تلك القراءة أيضاً هو أن ثمة خلافاً مستمراً ومستعراً بين السعودية والكويت حول حقول النفط في المنطقة المحايدة بينهما وحقل الدرة الغازي. وتزاحمت خلال الأشهر الماضية الدلائل على تفاقم هذا الخلاف مع تسريب خطاب لوزير النفط الكويتي، علي العمير، يحمل فيه الرياض مسؤولية الخسائر المالية التي تتكبدها بلاده جراء إغلاق حقلي الخفجي والوفرة.
يضاف إلى ما تقدم أن السلطات الكويتية «مغتاظة» من التعامل السعودي مع قضية «حقل الدرة» المتوافر على احتياط هائل من الغاز، الذي يقع جزء بسيط منه في إيران. ويعود السخط الكويتي إلى أن السعودية تصر على انفرادها بالإنتاج ومنح الكويت حصتها منه والرفض المستديم لإدخال إيران في أي مشاورات حول الحقل. وقائع سبقها إعراب الجانب الكويتي عن امتعاضه الشديد من التغطية الإعلامية السعودية للخلاف النفطي، وإصداره في 6 آب 2015 أمراً لجمارك النويصيب بمنع دخول صحيفة «الحياة» السعودية إلى الكويت على خلفية نشرها مقال للكاتب داوود شريان يستهزئ فيه بالموقف الكويتي.
في كل الأحوال، لا تظهر الخطوة الكويتية الجديدة إزاء السعودية إلا كـ «دعسة ناقصة» في مسلك المرونة، لكن استرضاء المملكة قد يكلّف الكويت هذه المرة أعباءً ربما لم تكن في حسبانها. وبادرت سلطات الإمارة الخليجية قبل أيام في رفع الدعم عن المشتقات النفطية بسبب التدهور المتواصل في أسعار النفط وانعكاسه سلباً على الاحتياطات الكويتية. إنعكاس ليس التورط في اليمن إلا وصفة نموذجية لمفاقمته ودفعه نحو مسارات أشد خطورة. وأضف إلى الأضرار الإقتصادية المحتومة أن الكويت التي لا تزال حتى الآن خارج قائمة الخسائر الخليجية في الوحول اليمنية ستكون عرضةً لخطوط نارية لا يخفت اضطرامها ساعة بعد ساعة. يؤيد السيناريو المتوقع أن القوات الكويتية ستتمركز في جيزان، حيث تصطلي مواقع العدوان يومياً بصواريخ القوات اليمنية المشتركة وبقذائفها.