سنوات طويلة مرت، ولم نمر. لا شيء يغيِّر طفولة الكائن. الطفولة ليست زمناً، أبداً. إنها تشبُّثُ الكائن بحلمه المستحيل. قشعريرة تهزّني، وأنا اقترب، بعد غياب طويل، من ذلك الأوان. لماذا تريدني أن أنبش أعماقي التي دفَنْتُ فيها أحلامي الأولى، وكأنها من نفايات الوجود. أحلام «الرجل الذي يأكل نفسه» مثلما تأكل السَّعيرة الحصاد، في «الجزيرة».


دمشق، والجامعة، والفتيات الأنيقات ذوات الارتجاج الإيروسي الحارق للروح، والشمس. الشمس التي كانت تحقنني بالشهْوَة، والغضب، والهيجان. الشمس الساطعة هي التي ألَقَتْ بي، أنا «الرجل القادم من بادية الشام»، في غياهب الحلم الذي لا يرتوي: حلم المسافات البعيدة، والأجساد الجديدة، والكلمات التي بلا حدود. ورأيت الاسم مكتوباً أمامي على الرصيف. على الرصيف الصاعد من «الحجاز» إلى «جامعة دمشق». رأيته للمرة الأولى ولم أقرأه. وعندما هبطت، وجدته يقف أمامي على ضفة بردى: «الرجل الذي يأكل نفسه». وخَبَطْتُ القاع بقسوة: «افتحي ذراعَيْكِ لتَحْتَضنيني، هأنذا قادم أيتها الأرض».
 جملة الرواية الأولى، هذه، التي انكَتبَتْ في عينيّ، وأنا أقف فوق النهر، هي التي قادَتْني، مثلما يقود الرائي مَنْ لا يَرى، إلى الهاوية. ماذا تريدني أن أفعل؟ كل شيء كان جاهزاً أيام الجامعة: الرغبة، والجمال، والتأهُّب، والرِّفْقة الوَدود، والجوع، والكبت، والاستياء، والشمس. مرة أخرى، الشمس. ولا يعرف معنى الشمس إلا من سيفتقدها بصرامة. الشمس مصدر اللوعة التي لا عزاء لها إلا في حضن مَنْ تحبّ. و67، الهزيمة الجَبّارة التي خَلْخَلَتْني، هزيمة العرب الأولى في العصور الحديثة، كانت لا تزال قريبة. وكنتُ «صغيراً». ذلك، كله، شَكّل لي عذاباً كبيراً. ومن حقّ أي أحد أن يتعذّب. لكنه عذاب لذيذ، ترافَقَ ببداية «وَعْي» جديد، لم أعهده في نفسي من قبل. 
الابتعاد عن مكان الحلم، هو الذي يجعل الحلم متعدداً، ويفتح إمكانيات لا حصْر لها، ولم تكن حتى قابلة للتخيّل في المكان الأول للكائن. عرفتُ ذلك عندما انتقلتُ من بادية الشام إلى «الحسكة»، ومن «الحسكة» إلى «دمشق». الرحيل يُنشئ مخيّلة أخرى للكائن. يحرّره من هاجس الفشل المحتمَل لو بقي في بؤرته. ينقذه من كابوس الخطيئة الأولية، أو الخيبة الأساسية، التي لا خوف منها إلا إذا حدثت في أرض الولادة الأولى. وهو، أيضاً، يمنحه إمكانية تصحيح مساره، بلا خجل. هذا ما حدث لي وأنا على أرصفة دمشق التي كنتُ فيها غريباً. ولأنني كنتُ أحسُّني معْزولاً، لم أكن أخشى العيوب، ولا احترام عندي للمحرَّمات.


منعت روايتي من الطباعة
في دمشق، وصدرتْ عن
«دار العودة» في بيروت،
ومُنعت من التداول


بهذه الأحاسيس التي شَبَّتْ عن الذوق كنتُ أجابه محيطي الجديد.
فقَدْتُ الكثير عندما تَخَلّيْتُ عن «صحرائي» في بادية الشام، وطَوَيْتُ خيمتي الصغيرة، لأسكُن في بساتين «المزة»، في مُلْك السيد الكريم «عمر عتْمة»، جزاه الله كل خير. فلَقَد آواني طالباً، وسمح لي أن آكل من أثمار بستانه التي ظَلَّلَتْني أشجاره العظمى، بثَمن بخْس، دراهم معدودة، وبالخصوص من المشمش الدمشقيّ الرّحيق، ومن الدُرّاق، والخوخ الأسطوريّ الذي ما زالتْ قَضْمته بين أسناني، وطعمه على لساني. وعندما نفقد الشيء، ندرك أننا فقدناه إلى الأبد. ولكي تستقيم الأمور، وتتابع الحياة مجراها، كان لا بد من محاولة استعادة المفقود.
والكتابة، وحدها، قادرة على أن تخلق مناخ محاولة مجدية: فـ«العالم موجود لنكتبه». وعندما نكتبه نستعيده، بشكل من الأشكال. هذه الفكرة الغامضة، آنذاك، هي التي كانت تحرّكني، وتملأ نفسي بتوَهُّج خاص يحثُّني على أن أغمس روحي في مياه الحياة التي بدَتْ لي مغرية وجذّابة. ولَمْ أقاوِم.
كنتُ فرداً. لا أحزاب تلُمُّني، ولا هيئات، أو مؤسسات. وكانت الشام مملوءة بالبشر والأقاويل. العواطف تتدحرج بين أقدام العابرين. والأفكار تسري مع الريح. كنتُ ظامئاً، ومتهيِّئاً لالتقاط كل ما تقع عليه عَيْناي، ومستعداً لاحتواء كل ما تلمسه يداي. ولم أصِبْ ما أريد. خَلَل غامر يُفَرِّقني عن الناس، ويُشَتِّت أهوائي. كنتُ «أحسنّي آخَر»، وهو ما كنتُ أشعر به برعب.
لكأن البؤس المادي المترافق بعزّة النفس، يُشْعِل وَعْي الكائن! ولكن لماذا كل ذلك النفور؟ ومن أين يجيئني الاستياء إنْ لمْ يكن من القمع الذي بدأ يُسمِّم الحياة ويتَعمَّم، آنذاك؟ 
«دمشق» بدأت تتغيّر أمامي. أتيتُها مملوءة بالصخب والحياة، فصارت صامتة ومنصاعة. لكأنها غدَتْ مدينة أخرى. لم أكن أدرك سبب ذلك، يومذاك، وإنْ كنتُ أحسّ به مثل دَبيب النمل في الصحراء. وما أهمية الأسباب، حينما نلجأ إلى كتابة أحاسيسنا الملتهبة؟ ولكن، هل تنجح الكتابة في رَدْم هوّة سوء التفاهم العميق بيننا وبين العالم الذي نعيش فيه؟ وهَلْ لتَغْيير الأمكنة والكائنات علاقة بذلك الانفجار الصامت الذي كان يهزّ كياني؟  
برغم تهافُت الوضع ومأساويته، كان ثمّة فرح داخليّ عميق يُهدْهِدني! من أين يولَد الفرح في الانكسار؟ ألأنّ الوجود لا يستقيم دون فرح، حتى ونحن نبكي؟ أم لذلك أسباب أخرى؟ كل ذلك لم يكن تفسيره يعنيني، يومذاك. كنتُ على الرصيف.
وكانت الجملة الأولى قد انكتبَت. وكنتُ سعيداً بها إلى حدّ الطَيَران. وهو ما جعلني أكتب «الرجل الذي يأكل نفسه» بعدائية صارخة. ولم أكن أدري أنني أكتب، في الحقيقة، عن «الوطن الذي يأكل نفسه»! ما أدّى إلى منعها من الطباعة في دمشق، أولاً، ومن بعد، عندما صدرتْ عن «دار العودة» في بيروت، مُنعت من التداول، أيضاً. كنا في أوائل السبعينيّات، وبالتحديد أواخر عام 1972.
أهمية الكتابة لا تكمن في اعتبار الآخرين لها، وإن كنا بحاجة إلى مثل هذا الاعتبار. أهميّتها تكمن في إنقاذ كاتبها من الانهيار. وتلك كانت حالتي. كنت مسكوناً برؤية كارثية، كما سأدرك في ما بعد. وتابَعْتُ الرحيل. الرحيل في الكتابة، وفي الواقع.
وبدا العالَم صغيراً، أصغر ممّا كنتُ أظنّه بكثير. وبدأتُ أتغيّر. في «الحسكة» كنتُ شاعراً. وفي «دمشق» صرتُ روائيّاً. وفي «باريس» كتبْتُ «موت الشعر». هكذا يَلِد الحلمُ حلماً أكبر، إلى أن يتلاشى، في حلم جديد. الأحلام هي التي تنقذنا من الموت. ولكن، مَنْ منا لا يموت، أخيراً؟  
عندما وصلتُ إلى باريس، بعد صدور «الرجل الذي يأكل نفسه» بقليل، أدهشَتْني مشاهد الناس والحياة. وأفعمتْ قلبي المرائي الخُضْر للغابات. واحتضنَتْني حدائق باريس، وجُسورها. وانغمسْتُ في بشر متعدد الألوان، والأهواء، والأصول، دون أن يشكِّل ذلك عائقاً بيني وبينهم. وأكثر ما أذهلني مشهد المطر المتساقط من عَلٍ بهدوء وصمت (وليس كجلمود صخر حَطَّه السيلُ)، حتى أنني صرتُ أتَمْتِم بأسف وأسى، وأنا أُتابع موسيقى زَخّات المطر الآسرة: «هذه ليستْ بلادي». وانقطَعْتُ عن الكتابة أكثر من سبع سنوات، قبل أن أعود إليها.
في باريس تغيَّرت خُطط الكتابة شيئاً فشيئاً. وأول رواية كتبتها، بعد أن استعدت رغبتي في الكتابة، هي «الشيء». فيها تحررت لأول مرة، فعلياً، من كل مثبِّطاتي العتيقة، حتى أنني كنتُ أردد، باحتِدام: «تَهْديم العالَم القديم شَغَف». بعدها، أنجزت روايات عديدة، منها: «القطيعة»، و«الخُلَعاء»، و«دمشق 67»، و«مديح الهرب»، وأخيراً: «قَصّاص الأثر» (عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت)، دون أن أفكّر في الرواية الأم: «الرجل الذي …»، وكأن أمرها لم يعد يخصُّني، ولا علاقة لهذه الحقبة بتلك.
واليوم، بعد عقود طويلة، بدأ يُراودني الرَّوْع أنني، ربما، وأنا أكتبها، كنتُ أعني: «البلاد التي تأكل نفسها»، وليس الفرد المعزول، «الرجل القادم من بادية الشام»، ذاك الذي أحبّ «تلك البلاد» إلى درجة الهرب منها ليصون حبّه لها، حتى أنني صرتُ أصرخ بالاتجاه المعاكس: «هذه ليست بلادي».

*روائي سوري مقيم في باريس