كان من الطبيعي حدوث ذلك. سنوات التخبّط السياسي التي يعيشها لبنان منذ بضع سنوات، كان لا بدّ أن تصل ارتداداتها إلى الجامعة الوطنية. فهنا، في المكان المصغّر عن بلد «بطوله وعرضه»، لا يمكن أن تكون النتيجة مغايرة لما يجري في الواقع. فحروب الشوارع مثلاً تسهل ترجمتها في حرم جامعي مفتوح على احتمالات كثيرة. هكذا مثلاً، سينسحب الاحتدام والصراع السياسي بين الأحزاب اللبنانية على الطلاب ـ ممثلي ومناصري تلك الأحزاب في الجامعات، اللبنانية منها والخاصة. وبسهولة، تتحول القاعات الدراسية في الجامعات إلى أماكن يرشق الزملاء بعضهم بعضاً بـ»صفات»مقزّزة طائفياً.


كم تستحيل الساحات الجامعية حلبات مصارعة... من دون حبال ولا حكم سيُطلق صافرته في النهاية. لا شيء من هذا موجود هنا في الجامعات التي يختلط فيها الحابل بالنابل على خلفية الاستفراد بمقعد طالبي. خلاف مصغّر يشبه الى حد كبير اقتتال القيادات السياسية على كرسي نيابي أو وزاري. أما سمة هذه الخلافات فهي «التبعية السياسية»، حيث يسعى كل فريق طلابي محسوب على حزب سياسي إلى الانتقام لرئيسه عبر الاقتصاص من زملائه!
العام الماضي، شهد عدد من الفروع الجامعية خلافات وإشكالات، كانت نتيجتها إلغاء الانتخابات الطالبية وحرمان الطلاب من ممارسة حقٍ ديمقراطي هو كل ما بقي لهم من سلسلة حقوق اختزلت في فترات سابقة. وهذا الفشل بحدّ ذاته في تجربة هي بالنهاية «بروفا». لا أكثر ولا أقل، إذ تكمن أهمية هذه الانتخابات في تجسيدها تدريباً للطلاب والجيل الجديد في ممارسة حقوقهم تمهيداً لخروجهم إلى الحياة بتعقيداتها. إجراء إلغاء الانتخابات الطالبية جاء بعد سلسلة إشكالات و»اقتتال» بين الطلاب في عدد من الجامعات. وبات جلياً أن الحجج التي تمنع إلغاء الانتخابات كثيرة وتستدعي التوقف عندها. لا سيما تلك التي يتذرع بها رؤوساء الجامعات والكليات، والتي تنضوي تحت عنوان عريض «الأوضاع الأمنية الطارئة على لبنان”. هذا العنوان الذي يجعلنا أمام سؤال جوهري يتعلق بوعي الطلاب للسياسة المتبعة في لبنان والتي يمارسها قادة الأحزاب؟
وفي إطار فهم كل هذا، وضعنا استمارة تضمّ مجموعة من الأسئلة التي أردنا من خلالها استطلاع آراء مسؤولي مصالح وخليات الطلاب في فروع الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة ـ المسيحيون منهم تحديداً ـ هؤلاء الذين يلعبون دور الوسيط بين قيادات أحزاب ينتمون إليها والطلاب في الجامعة.
وقد تضمنت هذه الاستمارة ستة أسئلة تتمحور حول مجريات الساحة السياسية والأمنية في لبنان. وكان واضحاً عند الانتهاء من طرح الأسئلة على المستهدفين الستة، التباين في الرأي الذي يمثل رؤية الأحزاب التي يمثلونها داخل الجامعات. ونتيجةً لهذا الواقع، تصبح هذه الجامعات ملتقىً لأحزاب سياسية مختلفة. مع ذلك، تبدو امكانية اجتماع الطلاب والتقائهم داخل الجامعات أمراً صعباً. وهذا سيولّد، بطبيعة الحال، عجزاً عن ممارسة العمل السياسي، لعلّ أهمّها الانتخابات الطالبية. أضف الى ذلك، كيف يمكن لحزب ما أن يسميّ تجمع الطلاب تحت لوائه بـ»الخلية «، خصوصاً أن الخلية ـ اصطلاحاً ـ تعني وحدة صغيرة من وحدات حزب أو حركة، وهي مصطلح أقرب الى المفهوم العسكري؟
في المحصلة، ثمة ما يمكن استنتاجه من تلك الاستمارة. أول تلك الاستنتاجات وأكثرها ألماً أن كل حزب ـ وما يندرج تحت لوائه من أفراد ومنظمات ـ مصرّ على تلك العزلة، فكل حزب على حق. وهنا، تلعب «الأنا العليا» الكامنة في روح كل حزب بشكل كبير في الجيل الناشئ الذي ينبري هو الآخر الى حمل أفكار حزبه والذهاب بها الى أبعد الحدود، وفق مبدأ «أنا الحق وحزبي على حق».

انطون سعيّد

يرفض رئيس قطاع الشباب في التيار الوطني الحر أنطون سعيّد إجراء إلغاء الانتخابات الطالبية، مع ذلك يشدّد على ضرورة انضمام الطلاب إلى الأحزاب لأنه وجدها كفيلة بإيصال أصوات الطلاب بطريقة أسرع. ويردّ ذلك إلى أن الحركات الطلابية لا تؤتي أكلها لأنها عادة ما يكون عدد أعضائها محدوداً، وهذا سيبقي صوتها مغموراً. سعيّد الذي اعتبر سابقاً أن تدخل حزب الله في القتال في سوريا هو لحماية لبنان من خطر داعش وهو حق لأي شعب بالدفاع عن نفسه، لا يأخذ وقتاً للتفكير في ما إذا كان يجرؤ على تشجيع أبناء الطائفة المسيحية على حمل السلاح في وجه داعش.

رالف عقل

يرفض مسؤول دائرة الجامعة الفرنكوفونية بمصلحة الطلاب في حزب القوات اللبنانية رالف عقل كلياً مبدأ إلغاء الانتخابات الطالبية، في حين يشجّع خروج حركات طالبية جديدة بعيداً من الأحزاب القائمة حتى لو كان على طريقة إنشاء حزب جديد. أما عن انخراط حزب الله في الحرب السورية، فيعتبره عقل خطأً فادحاً وأن ازدياد خطر داعش اليوم أثبت نظرته بأن تدخل الحزب استجلب صراعاً إقليمياً من الأراضي السورية الى لبنان. وأشار إلى أن حزب الله وجه آخر لداعش، فالأول يُعبّر عن التطرف الشيعي أما داعش فيمثّل التطرف السني. أما عن استهداف المسيحيين اليوم، فهو يتم بالتوازي مع المذاهب والديانات الأخرى. ويقول: «المسيحية هي ديانة تعتبر من الأقليات».


جولي معلولي

يعترف جولي معلولي، رئيس الهيئة الطالبية في كلية الآداب، أن الوضع السياسي اليوم والانقسامات الموجودة، حيث يتمجلس كل طرف خلف متراسه لا يسمح بإجراء الانتخابات الطلابية. ويشير إلى أنه يمكن التراجع عن هذا القرار في حال تحسّن الأوضاع الأمنية. ولمعلولي، الذي جُرح في اشكال حصل بين طلاب التيار والقوات، رؤية خاصة عن فكرة ظهور حركات طلابية جديدة، فإن كان هدفها العمل السياسي «فلدينا أحزاب تكفي»، أما إذا كانت تسعى إلى العمل الجامعي والمجتمعي والمدني فنحن نؤيد ظهورها. أما عن وجوب حمل السلاح لمحاربة داعش، يعتقد جولي أن المسيحيين ليست لديهم امكانية لحمل السلاح، وإن اضطروا لذلك، فبمجرد الوصول الى الحرب يعني انتهاء المسيحيين.

سيمون درغام

الجامعة هي المسرح لاختبار الشباب وتدريبهم لممارسة العمل الديمقراطي لاحقاً. بهذه الكلمات، عبّر سيمون درغام، رئيس منظمة الطلاب في حزب الوطنيين الأحرار عن رأيه بسنوات الدراسة في الجامعة والانتخابات الطلابية. أما في ما يخصّ خطر داعش وأعمالها الإرهابية، فيشير إلى أنهم كحزب للوطنيين الأحرار لا يميزون بين ضحية وأخرى. ويصرّون على احترام سيادة الدول الأخرى ومن بينها سوريا وأن حزب الله خرق هذه السيادة. ولا يُعتبر حزب الله بالنسبة لدرغام وجهاً آخر لداعش بقدر ما يشكّل خطراً على الكيان اللبناني. ويحمّل درغام «المسلم المعتدل» واجباً في الدفاع عن الأقليات والالتفاف حولها إذا ما تزايد خطر داعش.




رالف صهيون

يشجّع رالف صهيون، رئيس مصلحة الطلاب في حزب الكتائب على إجراء الانتخابات الطالبية وظهور حركات طلابية جديدة خارج الاصطفافات الحزبية القائمة تماهياً مع حرية التعبير. ولأن مشروع حزب الكتائب هو الحياد، كما يقول. لم تختلف نظرة الحزب ولا الطلاب لمشاركة حزب الله في سوريا، لأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة. الاختلاف السياسي مع حزب الله لا يعني الذهاب الى حد تشبيهه بداعش. وبرأي صهيون: «حزب الله يُقحم الدولة بصراعات إقليمية، هي في غنىً عنها». وفي حال اضطر المسيحيون لحمل السلاح لمحاربة داعش، فهم لن يتوانوا عن الدفاع عن المناطق المسيحية ولبنان، ولكن ضمن نطاق الدولة وخلف الجيش اللبناني.