شكّل السطر أعلاه أحد بنود البيان الذي أصدرته الجامعة الأنطونية بعد قيام 37 طالباً مسلماً بأداء صلاة الجماعة في حرم الجامعة. حدث هذا في آذار 2012 كردّ فعل على رفض الإدارة طلبهم بتأمين مكان يؤدون فيه صلاتهم. وفي بلدٍ، ينص على «حريّة المعتقد»، يجب أن تتبع ذلك، حريّة الصلاة. خاصةً، إن كان ترك الصلاة بالنسبة للمسلمين، بمثابة «الخطيئة» في «الأدبيات المسيحيّة». هكذا، حاول طلاب الجامعة الأنطونية (المسلمون) إقناع الإدارة بتأمين «مساحة» لصلاتهم.


اقترحوا تعديل أوقات الصفوف ليستطيعوا الذهاب إلى مسجد قريب من الجامعة. والجامعة أصلاً في بعبدا. والمنطقة، ليست إسلاميّة، بالمعنى الديموغرافي اللبنانوي. في أية حال، رفضت الإدارة مجدداً، فصلى الطلاب داخل صفوفهم، مانعت الإدارة، فصاروا يقفلون الصفوف غير الشاغلة. وصلت «المفاوضات» بين الطرفين لقبول الإدارة أن يصلّي الطلاب في كنيسة الجامعة (سيدة الجامعة) كما يقول مسؤول في التعبئة التربوية بحزب الله، فضّل عدم الكشف عن اسمه.
وافق الطلاب. وعندما ذهبوا إلى الصلاة، وجدوا الكنيسة مقفلة. سألوا الإدارة عن المفتاح ولم يتلقوا أي أجوبة. بعد كرٍ وفر، التمس الطلاب رفض الإدارة لصلاتهم داخل الكنيسة والحرم الجامعي بأسره. ثم حدث ما حدث. أدى ذلك لإقامة 37 طالباً الصلاة، جماعةً، أمام الكنيسة. بيد أنهم يقولون إن صلاتهم، تلك، كانت أمام الإدارة لا أمام الكنيسة، فالإدارة في الكنيسة، والمفاتيح... «ضائعة»!


كل ذلك ولا تزال المشكلة قائمة حتى اليوم. يصرّح مندوب التعبئة الطلابية في الجامعة علي فرحات أن المصلّين يصلّون في الحرش القريب من الجامعة. يتدبرون أمرهم في أيام الشتاء والمطر. جرّبوا، للمرة الألف، المطالبة بحقهم في الصلاة، بلا جدوى

والحال، أن حزب الله، ومسؤوليه في الجامعة، ينفون أي دور لهم في الصلاة الشهيرة. لقد جاءت الخطوة كردّ فعل عفوي، من دون تخطيط مسبق أو تنسيق بين الحزب، و«جماهيره»، أو طلابه في حالة الأنطونيّة. ضاحكاً، يعترف المسؤول في التعبئة بأن تصرّف الطلاب «كان خطأً لكنه خطأٌ مبرّر». دفعتهم إدارة الجامعة بـ«قساوة تصرفها» كما وصف، إلى أن يقسوا عليها بدورهم. هدّدت الإدارة بطرد «المصلّين»، بعدما أصدرت بياناً خطياً بذلك.
استدعت الحادثة تدخلاً «من فوق». هكذا، التقى أحد المسؤولين الطالبيين في حزب الله بالأب جو أبو جودة الذي كان مدير الجامعة آنذاك. رفض أبو جودة استقباله، عندما حدّثه «من تحت»، عبر «الانترفون». أخبره المسؤول الحزبي إياه، أن عائلات الطلاب «لن تسكت». يدفعون أقساطهم ويلتزمون قوانين الجامعة ويحترمونها، فوجدوا أن من حقهم ألا يسكتوا. اضطر أبو جودة، حينها، كما يقول المصدر الحزبي، إلى استقباله. وبعد جلسة هادئة، ألغي قرار الطرد، بحيث اتفق «الطرفان»، على «طرد على الورق»، من دون تنفيذ، وذلك لـ«حفظ كرامة الجامعة أمام الجمهور المسيحي» (‪!‬Oh Mon Dieu).
انتهى «تبويس اللحى»، ولكن الأزمة الحقيقية لم تُحلّ. أين يصلّي الطلاب. صاروا يلجأون لموقف السيارات في الجامعة. مجدداً، تدخلت الجامعة ومنعتهم. وهنا، في حال صدقت قصة الطلاب، يستشعر المتابع بذور «اسلاموفوبيا» ناشئة. لم يستسلم الطلاب، فوجدوا سبيلاً آخر تحت أحد الأدراج فاستغلوه. لم يعجب الأمر الإدارة (قصدت أقرب نجّار وصممّ لها باباً)، فأغلقت تلك المساحة. ولم تكتفِ بذلك فوضعت كاميرا تراقب وتحرس هذه المساحة، التي أصبح المساس بها ممنوعاً: ممنوع الاقتراب! ممنوع اللمس! ممنوع الدعس!

«سوء» تفاهم

لا يريد الحزب نشر الدين الإسلامي في الجامعة أو تشييع السنة ولا يهدف للتسويق لسياسته أو التعبئة لها. على الأقل هذا ما يقوله المسؤولون فيه. ما يريده الحزب هو تنفيذ القانون، بحيث «ينصّ النظام التربوي اللبناني أن المؤسّسات التعليمية تستطيع ممارسة طقوسها الدينية»، يقول مسؤول التعبئة. ويضيف: «لا يوجد قانون يجيز منع الآخرين من القيام بعباداتهم أيضاً وإذا قامت بالمنع يشكل لها مشكلة مع القانون». يؤكد الرجل أن أقصى ما يطلبه الطلبة المسلمون مكاناً يصلون فيه صلاتي الظهر والعصر لا أكثر. في الوقت نفسه، «يستغرب» قبول إدارة الجامعة الدينية بالقيام بحفلة راقصة، ورفضها أي مشروع يقدّمه طلاب الحزب للقيام بنشاط. في أية حال، لا صبغة سياسية للرقص. يطرح الشاب سؤالاً عن هوية الأنطونية: «هل هي جامعة للمسيحيين أم للبنانيين؟ هل هي إرسالية تبشيرية أم جامعة للتعليم؟». والنتيجة الآن، أن الحزب علّق جميع نشاطاته في الجامعة واكتفى بالتواصل مع طلابه خارجها. ولا أحد يعرف فعلاً، إن كان هذا القرار، بالـ«تفاهم»، أو آتياً... «من فوق».
كل ذلك ولا تزال المشكلة قائمة حتى اليوم. يصرّح مندوب التعبئة الطلابية في الجامعة علي فرحات أن المصلّين يصلّون في الحرش القريب من الجامعة أو في أماكن لا تلفت الانتباه. يتدبرون أمرهم في أيام الشتاء والمطر. جرّبوا، للمرة الألف، المطالبة بحقهم في الصلاة، بلا جدوى. أما طلاب التيار الوطني الحر، حليف الحزب، منذ شباط الـ 2006، فاستمهلهم. التيار، في الواقع، هو صلة الوصل بين الحزب والإدارة، التي ألغت اللجنة الطلابية وألغت انتخابات هذه السنة. برأي مندوب التيار الوطني الحر في الجامعة برنارد ميخائيل، «أخطأت الإدارة بإلغاء الانتخابات». أما عن انعكاس ما يحدث في السياسة على الحياة الجامعية، فيؤكد ميخائيل أن دخول حزب الله الحرب السورية، التي سمّاها... «استباقية»، برهنت للشارع المسيحي أهمية تحالف عون-نصرالله. اعتبره «تحالفاً متيناً واستراتيجياً».
وفي ما يخص قرار الجامعة بتمنّعها عن تأمين مكان لصلاة الحليف، فدافع عن الجامعة... «إنها تابعة لرهبنة وتحمل رسالة تبشيرية ما يبرر ما تقوم به». ولكنه لم ينفِ «إمكان الضغط عليها لإيجاد مكان لائق لطلابها لتفادي قيامهم به في أماكن عشوائية». اللافت في الأمر، أن رئيس مصلحة طلاب القوات اللبنانية في الجامعة جيرار سمعاني، يدافع عن حق زملائه «الحزباللهيين» بممارسة شعائرهم. ويرفض قرار الجامعة بإلغاء الانتخابات محمّلاً إياها مسؤولية فتح المجال لنقاش سياسي فيها. ثمة احترام متبادل بين الحزب والقوات في الأنطونيّة. ولكنه، على نقيض من السائد والمتداول، وفي إجابة «قواتيّة» تقليديّة، على سؤال تقليدي، عن «داعش»، يقول: «لا نخشى أحداً».
في أية حال، حاولنا التواصل مع المعني الأول بكل هذا، أي إدارة الجامعة، والاستفهام عن قضية الصلاة وسبب إلغاء الانتخابات. رفضت الإدارة الحديث رفضاً قاطعاً، ملتزمة البيان الذي أصدرته وقتها معتبرة «المسألة منتهية». لكن، السؤال ما زال قائماً: أين يصلّي الطلاب؟