يصعب تخيّل كلية الآداب والعلوم الإنسانية في تونس من دون الساحة الحمراء. هناك، في الكلية الأقدم والأعرق في البلاد، استكانت تلك الساحة لتكون المعلم الطلابي والنقابي والسياسي الذي لا يخفي على الطلاب. فالساحة ـ المعلم هي وعيهم. لا أكثر من ذلك ولا أقل. ربما، كان ذلك قبل سنوات. تحديداً، قبل أن تصبح تلك الساحة مجرّدة من هدفها.


اليوم، ما عاد كل شي كما كان. الحلم الذي رسمته زينب، طالبة السنة الثالثة في كلية الآداب، والتي تعرف بكلية «9 أفريل» (وهو تاريخ العيد الوطني التونسي لقتلى الاستعمار الفرنسي)، تشظى. قبل أن تدخل تلك الكلية، سمعت الكثير عن «نضالات» الطلاب فيها، أثناء ثورة الرابع عشر من كانون الثاني. سمعت بأنها «كانت معقلاً للحراك الطلابي والنقابي، وأنها من الكليات التي نزل جميع طلابها ليواجهوا بوليس زين العابدين بن علي وبوليس الحبيب بورقيبة سابقاً، وكانت لهم بطولات مشهودة». وتتابع: «عندما دخلت الجامعة، كنت أحمل صورة حالمة وردية عن نقاشات ومطالعات لا تنتهي، وعن كلية فيها كل مقومات الدراسة والبحث العلمي وتعزيز الوعي السياسي أيضاً، إذ كنت مهتمة بأفكار اليسار وأطروحاته، وكنت أطمح لأن أكون مناضلة في صفوفه. لكن، كل شيء تداعى. لم أجد شيئاً مما حلمت به»، تقول. ثم تتابع بتنهيدة طويلة: «حتى الأساتذة هناك، لم أشعر بأن أحداً منهم شجعني أو شجع غيري أو وجّهنا أو أشعرنا بأننا طلاب علم وبحث. يعاملوننا كأننا تلامذة مراهقون، لا هدف لنا إلا تسجيل المحاضرة كما هي وحفظها بلا نقاش». أما الحراك الطلابي، فيختزله أشخاص، «جلّهم في عمر متقدّم، وحين تقترب انتخابات المجالس العلمية، نفاجأ بحلقات نقاش من نوعٍ آخر. حلقات قوامها الأسلحة البيضاء والهراوات... والفوضى العارمة التي يتبعها تعليق للدروس».
النضال الطلابي هنا هو اضرابات مفتوحة «نمنع خلالها من الالتحاق بقاعات التدريس، تحت مسمى الدفاع عن حقوق الطلبة». تضيف زينب: «لست خبيرة في العمل النقابي، لكني لا أظن أن هذا ما كان عليه الحراك الطلابي في هذه الكلية التي تدرّس فيها الفلسلفة والآداب المختلفة وعلوم الاجتماع، ولكن ما يجري مؤسف، حيث أن الخلاف والاختلاف بين طلاب اليسار والطلاب الإسلاميين مثير للشفقة فعلاً». وتسأل: «أي عمل نقابي يمكن أن يسود؟».
قد تكون هذه أقسى ما يتعرض له الطلاب الذين يأتون إلى كلياتهم محملين بأحلام كثيرة. ولكن، ثمة ما هو قاس أيضاً في الكلية التي تعدّ من الأعرق في تونس، وهو نظام التعليم الذي لم يستقر على حال «إمد» (إجازة وماجستير ودكتوراه). فعدا عن كونه «مستورداً»، وقد اعتمده الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي منذ سبع سنوات «اقتداء بالجامعات الفرنسية»، إلا أنه لم يكن على قدر طموحات الطلاب. فزينب، على سبيل المثال ستنهي سنتها الثالثة بشهادة عادية «فمنذ اعتماد هذا النظام، تم إلغاء شهادة (الأستاذية) التي كانت تمنح للطالب بعد أربع سنوات». الآن، اختزلت الشهادة بثلاث سنوات، يتوجب بعدها على زينب «إتمام مرحلة الماجستير، لأن إجازة السنوات الثلاث لا تساوي اليوم شيئاً، والدولة نفسها لا تتكفل بتشغيل الآلاف من حامليها الذين تفرزهم الجامعات سنوياً».