من المعروف أنك حين تكون في الحرم الجامعي أو في الطريق إليه، تكون القاعدة أو ركيزة تفكيرك هي طلب العِلم. هذا ما يفرضه المنطق، أما ما تفرضه الوقائع في سوريا، فمختلفة تماماً. ثمة قاعدة واحدة تشغل بالك، وأنت في طريق الذهاب إلى الجامعة أو العودة منها: الرعب. الرعب من الموت برصاصة طائشة أو من مداهمة الأمن للجامعة أو من سيطرة جهة ما على المنطقة التي تقع فيها الجامعة... وما إلى ذلك. فمنذ بداية الأحداث، تكاد تكون الجامعات في سوريا، وتحديداً في المناطق المنكوبة منها، أمكنة لتداول أسماء الموتى وآخر تطورات الدمار. يكاد العلم يكون آخر ما يتداوله الطلاب هناك. فإن لم يكن الطالب قد فقد أحد أفراد عائلته سيكون حتماً قد فقد صديقاً له، أو أنه غادر بيته بسبب قربه من ثكنة عسكرية، أو اعتُقل إثر الاشتباه بأشياء لا تحصى.


الكثير من القصص صادفتني عندما بحثت في الموضوع، ولكن قصة نسرين قد تختصر الكثير، لنفهم ما معنى ما آلت إليه أوضاع الجامعات في سورية. صديقتي البالغة من العمر 22 سنة، تحب الدراسة، فهي لم تترك يوماً يفوتها، لا في المدرسة وهي صغيرة، ولا في الجامعة يوم كبرت. نسرين لا تزال في سوريا مع عائلتها التي تفضل الموت على الخروج من الوطن، على حد تعبيرها. ولكنها، اليوم، بلا جامعة.


أصرّ على أن يأتي من هناك إلى لبنان ليكمل تعليمه، ولكنهم أوقفوه عند أحد الحواجز لأنه لم يحصل على تأجيل دراسي واقتادوه ليلتحق بصفوف الجيش النظامي
تحكي لي نسرين قصتها مع الجامعة. تقول: «بدا الأمر، كأنه حلم. كثرت التظاهرات في دير الزور وصار الوضع متوتراً، عندها بدأ أهلي بالضغط عليّ لكي أتوقف عن الذهاب إلى الجامعة، لكنني واجهتهم». مرت أسابيع على تلك الحالة، إلى أن وقع في حبها أحد الجنود الموجودين على الحاجز الذي وضع حديثاً قرب بيتها.
مع الوقت، أيقنت نسرين أنه لم يكن نوعاً من أنواع الحب ما بادرها به الجندي. كان «تحرشاً، فمع الوقت كنت أسمعه يتمتم بكلمات مقززة، بل إنه في إحدى المرات وقف في طريقي وأنا عائدة إلى البيت، وطلب رقم هاتفي وحين قلت له إنني لا أحمل هاتفاً أصر على أن آخذ رقم هاتفه، وأن أتصل به مساء، وإلا سألحق بك إلى البيت وأهدمه على رأسك ورأس أبيك». أخذت نسرين الورقة من يده، وهربت إلى البيت مذعورة من فظاعة الموقف، وعلى غير عادتها قالت لأمها: «لن أذهب إلى الجامعة ثانية».
ليست نسرين الوحيدة من فعلت ذلك، بل هناك الكثيرات ممن يشبهنها مُنعن من الذهاب إلى الجامعات، إما خوفاً من الحواجز العسكرية أو من داعش الذي بالأصل لم يترك جامعة، إلا وأغلق أبوابها. على أن الأمر لم يقتصر على الفتيات فقط، بل إن كثيراً من الشبان ترك الجامعات، وربما للأسباب نفسها.
فصديقي أ. أصرّ على أن يأتي من هناك إلى لبنان ليكمل تعليمه، ولكنهم أوقفوه عند أحد الحواجز لأنه لم يحصل على تأجيل دراسي واقتادوه ليلتحق بصفوف الجيش النظامي، وإلى الآن لا أعرف عنه شيئاً. كل ما أتذكره وجه ذلك العسكري وهو يقرأ أوراق أ. وكنت أنا أقرأ الخوف في عيون صديقي حينها، وبلا تردد جره من كتفه وأنزله. ومنذ ذلك اليوم، لم أره ولم أعرف مصيره. ولكنني أذكر آخر صورة له، عندما حاول المستحيل كي يتركه الجنود من أجل متابعة الجامعة. ولا شيء أكثر.