اليوم قد يكون يوم الحسم في المواقف على طاولة التشاور، فإما اتفاق على “الطبخة” التي أعدها النائب ميشال المر بناءً على تكليف من المتشاورين، فتتوسع بموجبها الحكومة الى 26 وزيراً لتكون حصة المعارضة فيها 9 وزراء، منهم 4 لـ“التيار الوطني الحر” وحلفائه، والبقية لـ“حزب الله” وحركة “امل”، في مقابل 17 وزيراً للأكثرية. وإما افتراق بين الفريقين وتتحول الطبخة عندها “طبخة بحص”، ويذهب عندئذ كل فريق الى شارعه لتدخل البلاد في مواجهة سياسية مكشوفة لا يمكن التكهن من الآن بنتائجها.

ونقل زوار “مدير التشاور” رئيس مجلس النواب نبيه بري عنه انه يرى “ان طاولة التشاور باتت عند مفترق صعب وضاقت فيها الخيارات، فإما سلوك طريق الحل عبر التفاهم على حكومة وحدة وطنية على الأسس والمرتكزات نفسها التي قامت عليها الحكومة الحالية، وإما سلوك طريق المواجهة وفتح البلد أمام أزمة حكم وأمام شارع يمكن أن يشعله مندسّون بالعنف والفوضى”.
لكن بري، بحسب زواره، ليس فاقد الأمل بإمكان حدوث تراجعات متبادلة وتكوين اقتناعات مشتركة “اقتناع الأقلية بأنه لا سبيل لقيام حكومة وحدة وطنية على أساس المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرارات بغير التفاهم مع الشريك الآخر، واقتناع الأكثرية بأنه لا مجال للإبقاء على التوازن السياسي القائم من دون الأخذ في الاعتبار موازين القوى والمتغيّرات التي أحدثها العدوان الإسرائيلي على لبنان وما أفرزه من نتائج”.
وكان المر جال امس بين عين التينة وقريطم والرابية ساعياً الى إقناع كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الاكثرية النائب سعد الحريري ورئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون بطبخته لتعديل الحكومة وتوسيعها، وتقضي بزيادة عدد الوزراء من 24 الى 26 وزيراً بإدخال النائبين الياس سكاف وأنور الخليل بحيث تُمثّل كتلة عون بأربعة وزراء (2 من تياره و2 من حلفائه) فتصبح المقاعد الوزارية موزعة كالآتي: للأكثرية الثلثان أي 17 وزيراً مقابل ثلث “طابش” أو “ثلث مع فاصلة” أي 9 وزراء للمعارضة.
وإذ أكد المر نهاراً أنه نجح في مهمته بنسبة 70 في المئة، فإنه ابلغ “الأخبار” ليلاً ان بري وعون أبلغاه موافقتهما على هذه الصيغة وأن الحريري استمهله الى اليوم لتحديد موقفه. وأوضح انه لم يدخل في الاسماء الوزارية التي يمكن تغييرها، ولا في الحقائب التي يمكن تعديلها، وأكد أنه طرح فقط اسمي النائبين سكاف والخليل للتوزير باعتبار أن الاعراف والاصول تقضي بتوزير ثلاثة للطائفة الكاثوليكية وثلاثة للطائفة الدرزية عندما يتقرر أن تتكون الحكومة من 26 وزيراً.
لكن معلومات أخرى افادت ان المر طرح بداية تعديل الحكومة بحيث ينسحب منها ثلاثة من وزراء الاكثرية ورابع من حصة رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ويعيّن مكانهم وزراء للعماد عون وكتلته. لكن هذه الصيغة لم تنجح، فما كان منه إلا ان طرح توسيع الحكومة الى 26 وزيراً بإضافة سكاف (من كتلة عون) والخليل (من كتلة بري) بحيث يكون الاخير هو “الزائد واحد” على الثلث المعارض او على الثلثين الاكثريين وهو “زائد” يكون في عهدة بري.
وكان الوزير مروان حمادة قد سبق المر الى عين التينة يرافقه النائب وائل ابو فاعور، وخرج من اللقاء مع بري ليؤكد ان “ليس هناك من طبخات، ونحن لم نأت الى هنا للطبخ أو للحديث عن حقائب وأسماء، جئنا نتحدث مع الرئيس بري عن هواجس الجميع، وأولاً عن هاجس لبنان وشعبه حيال الأزمات التي يواجهها”.
وعلمت “الأخبار” ان حمادة طلب فترة إضافية للتشاور فوافق بري مؤكداً انه إذا كانت هناك نيات جدية فلا مانع لديه من ان يستفيد الجميع من غيابه فترة عشرة ايام ابتداءً من بعد غد السبت حيث سيسافر الى طهران، ليبلوروا صيغة يتم إقرارها بعد عودته.
وفي المعلومات ايضاً ان بري، إزاء استمرار تسريب محاضر جلسات التشاور، قد يلجأ الى قصر الحضور فيها على رؤساء الوفود فقط.
تشاؤم ليلي
وليلاً سادت أجواء متشائمة على اثر صدور بيان كتلة “المستقبل” التي اجتمعت برئاسة الحريري بعد لقائه عصراً مع المر حيث أيدت مواقف رئيسها على طاولة التشاور متمسكة “بالثوابت التي سبق ان أعلن عنها، والتي كانت وستبقى محل إجماع الحلفاء في قوى الرابع عشر من آذار، سواء داخل جلسات الحوار والتشاور أو خارجها”. وجددت “دعمها وثقتها” بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة. فيما اعلن عن اتصال رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط بوزير العدل شارل رزق (المرجح إخراجه في اي تعديل حكومي) واكد “تضامنه” معه إزاء “الحملات” التي يتعرّض لها، علماً بأن الحريري التقى مفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو الذي خرج من اللقاء ليطالب الرئيس بري بأن لا يكون طرفاً في طاولة التشاور.
ونقلت مصادر كتلة “المستقبل” عن الحريري تأكيده خلال اجتماعها ان “ليس هناك أجواء حلحلة وان الموضوع الاساسي بالنسبة الى الأكثرية هو موضوع المحكمة الدولية، فإذا تحقق وكنا مطمئنين إليه لا يعود موضوع الثلث المعطل مشكلة بالنسبة إلينا”. ورأى ان ما حصل على طاولة التشاور “كان مجرد أخذ ورد ولا نتائج”. وقال إن اللبنانيين هم “ضمانة بعضهم لبعض” وعلى “حزب الله” ان يدرك هذه المعادلة “ولن نقبل بأجندات خارجية”.
وذكرت مصادر المجتمعين لـ“الاخبار” ان الكتلة ترفض إعطاء المعارضة الثلث المعطل في الحكومة (أي الثلث زائداً واحداً) وان ما يمكن ان تقبل به هو الثلث فقط. وأضافت هذه المصادر ان الانطباع المتكون لدى الكتلة هو ان طاولة التشاور ذاهبة الى عدم حصول تفاهم “فإذا ترجم هذا الأمر بالنزول الى الشارع فسيكون عندها شارع مقابل شارع”. وكشفت ان تيار “المستقبل” بدأ منذ أول من امس اجتماعات في قصر قريطم ومقار أخرى لكوادره استعداداً لكل الأجواء، وقالت: “إن التيار لا يريد النزول الى الشارع ولكنه سيفعل ذلك إذا سقط خيار تحقيق المحكمة الدولية، أو إذا أُريد من الشارع فرض تعديل الحكومة او اسقاطها، وسيثبت انه موجود، إلاَّ انه لن ينزل قبل حزب الله”.
وقالت اوساط “القوات اللبنانية” لـ“الأخبار” ان اتصالات أُجريت بين الحريري وجنبلاط وقائد “القوات” سمير جعجع أدت الى الاتفاق على ان المناقشة يجب ان تتركز على توسيع الحكومة لا تعديلها لإدخال كتلة العماد عون بحيث تتمثل عندئذ كل الكتل. وأكدت ان “الثابتة” لدى الثلاثة هي رفضهم تعديلاً للحقائب والتخلي عن الثلث المعطل كي لا يمنحوا الفريق الآخر فرصة شل الحكومة.
المسعى السعودي
وفي ظل هذه الاجواء يجري السفير السعودي عبد العزيز خوجة مساعي علنية وبعيدة عن الاضواء لتقريب وجهات النظر بين الاكثرية والمعارضة. وقال لـ“الأخبار” إنه أبلغ الطرفين “ان المملكة العربية السعودية ليست منحازة ولن تنحاز الى اي طرف وأنها ترغب في ان تكون مرجعية للجميع لا طرفاً في اللعبة السياسية الدائرة على الاطلاق”. وأضاف: “إن همّ المملكة هو فقط مصلحة لبنان، ورجاؤنا الدائم من الله ان يحمي لبنان” مشيراً الى “ان المملكة لا تستطيع ان تجبر اي فريق على شيء” لافتاً الى الوضع المتفجر في المنطقة الذي يفرض على الجميع تحمّل مسؤولياتهم بما يحفظ لبنان. وختم: “ان الامور تبدو معقدة ونرجو من الله ان يفرجها غداً (اليوم)”.
ونقلت “وكالة الصحافة الفرنسية” عن مصدر في الاكثرية قوله ان “الامور تتجه نحو المواجهة اذا استمر التهديد باللجوء الى الشارع لأن امكان التوصل الى حل يبدو معدوماً بعد جلستين للتشاور”. وأضاف “المعارضة تطرح إما ان نسلمها البلد او تضرب الاستقرار باعتبار ان الاستقرار نقطة حساسة”.
وذكر المصدر أن الرئيس رفيق الحريري “خضع لتهديد (سوري) بضرب الاستقرار عندما قبل بالتمديد لرئيس الجمهورية الحالي إميل لحود”. وقال: “بعد تجربة رفيق الحريري لن نكرر الغلطة نفسها. يريدون ضرب الاستقرار فليكن ذلك علينا وعليهم”.
وفي مقابل أجواء التشكّك في امكان التوصل الى حل أبدى مصدر في حركة “امل” تفاؤلاً. وقال: “دعا بري الى التشاور عندما اقتربت مؤشرات الضغوط من الخط الاحمر”. وأضاف “سننجح في إعادة الضغوط الى الهامش الاخضر في انتظار تطورات اقليمية” بدون إعطاء تفاصيل اضافية.