جان عزيز


أرقـام مخيفـة عن الهجـرة المسـتمرّة والأسبـاب سـياسـيّة واقتصـاديّة وغيـاب الحرّيـات

اختتم مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك مؤتمره السادس عشر من 16 الى 20 تشرين الاول 2006، في الصرح البطريركي في دير بزمار، باستضافة البطريرك نرسيس بدروس التاسع عشر، بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك، ومشاركة الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير البطريرك الماروني، أنطونيوس نجيب بطريرك الاسكندرية للاقباط الكاثوليك، غريغوريوس الثالث لحام بطريرك الروم الكاثوليك، مار أغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد بطريرك السريان الكاثوليك، عمانوئيل الثالث دلي بطريرك بابل للكلدان، والبطريرك ميشيل صباح بطريرك القدس للاتين. وشارك عدد من الأساقفة وأمناء سر المجلس والسينودسات. وأصدر البطاركة بياناً ختامياً تضمّن توصيات من 20 فقرة تحدثت عن تطلّعهم «الى أبنائنا وإخواننا في لبنان (...) أن يشبكوا الأيادي ويوحّدوا الارادات في ورشة إعمار ما تهدم، ولاستعادة المجرى الطبيعي للحياة العامة والمؤسسات الدستورية». ودعوتهم «أبناءنا في فلسطين الى المودة والوحدة في ما بينهم، فهي الوسيلة الوحيدة التي تمكّنكم من استعادة حريتكم وسيادتكم وحقوقكم وأرضكم. كما ندعو الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي الى العمل الجاد من اجل سلام عادل ونهائي». وكرّروا مناشدتهم «المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية والهيئات المعنية بحقوق الانسان العالمية وضع حد سريع لما يجري في بلاد الرافدين من اعمال قتل واغتصاب وتخريب وتهجير قسري، تزيد كلها من معاناة المواطنين الابرياء». وناشدوا «المراجع الاسلامية والهيئات العليا ان تدين وبقوة هذه الاعمال الارهابية التي تمارس احيانا بتسميات دينية اسلامية، ونحن نعلم ان الاسلام الحقيقي والقرآن الكريم براء منها».
غير أن الأهم في اجتماع البطاركة، ما ظل في مداولاتهم وتقاريرهم وأبحاثهم عن مصير المسيحيين في الشرق. وفي هذا السياق قيل إن ثمة من تذكّر وصف البابا لاوون العاشر لهؤلاء قبل نحو 500 سنة، بأنهم «كالوردة بين الأشواك». لتبدو الصورة اليوم، كما يقرأها الخارج من المؤتمر، أقلّ ورداً وأكثر شوكاً، للشرق ولمسيحييه، وبالتالي لكل أهله وساكنيه.
ففي بزمار، لم يكن ينقص غير المطر لرسم صورة «خريف البطاركة». أو هو خريف رعاياهم، كأنهم بعض من الأوراق المتساقطة في الباحة الخارجية الفسيحة. وعلى ألسن أصحاب الغبطة تكثر الأدلة: «من أصل 53 قرية مسيحية في نابلس ومحيطها، لم تبق رعيّة لكنيسة واحدة»... «من أصل أكثر من مئة مسيحي حائز منحة جامعية للدراسة في الخارج، لم يعد إلينا إلا ثلاثة، اثنان منهم لأسباب صحية»... «مسيحيو القدس تراجعوا من نحو 45 ألفاً في الأربعينيات الى أقل من 5 آلاف مطلع هذا العقد. وأغلبيتهم من غير المقدسيين الأصليين، بحيث باتت حركة الفلسطينيين المسيحيين ثابتة على مرحلتين: نزوح ريفي صوب المدن أولاً، ثم هجرة كاملة الى الخارج ثانياً...».
وتتدافع صور المأساة، من مصر الى العراق الأعمق جرحاً، وما بينهما، من دون استثناء، إلا بنسب المعاناة والنزف والنزع. ما هو واقع هجرة المسيحيين من الشرق؟ ما هي أسباب هذه الهجرة؟ وكيف التصدي لها؟ أسئلة ثلاثة كانت ضيفة ثقيلة على طاولة أصحاب الغبطة، فماذا عن خلاصاتها؟
ما هي حقيقة الهجرة؟
المعلومات المتوافرة للآباء ترسم صورة قاتمة، من أبرز أمثلتها الآتي:
ــ هجرة أرمنية كثيفة، أدت الى إقفال كنائس كثيرة في المواطن الأصلية، لعدم وجود خادم لها، أو حتى لعدم وجود رعية، حتى إن عدد الأرمن الكاثوليك المتبقّين في نطاق بطريركيتهم الشرقية (لبنان، سوريا، العراق، تركيا، الأردن، فلسطين، مصر وإيران) لم يعد يوازي أكثر من 17% من عددهم في مغترباتهم ودول انتشارهم. مع الملاحظة أن حفاظ الأرمن على هويتهم الإثنية والثقافية في الشرق طوال نحو قرن، تبدّل في الغرب اندماجاً شبه كامل في مجتمعات انتشارهم، في غضون جيل واحد.
ــ هجرة قبطية متزايدة كمّاً ونوعاً ووتيرةً في الأعوام العشرين الماضية. والهجرة القبطية من أرض النيل قد تكون الهجرة المسيحية الشرقية الوحيدة التي تتّسم بأمرين اثنين: في كونها جماعية من جهة، وفي كونها معزوّة الى أسباب رسمية مرتبطة بالدولة وتفاقم الهجرة.
فهناك تنامي الأصوليات من جهة، وتشدد الإجراءات الحكومية من جهة أخرى. «فالأقباط في مصر يتم إقصاؤهم تقليدياً عن شغل الوظائف العليا في مختلف الوزارات ومؤسسات الدولة. ويكاد ينعدم وجود قبطي واحد بين عمداء الكليات ومديري الدواوين والسفراء وكبار الدبلوماسيين والإدارة العليا والقضاء»، من دون إغفال «القيود الموضوعة على بناء الكنائس أو ترميمها، أو حتى إقامة مجرد قاعة بسيطة للصلاة، بل مجرد دورة مياه خاصة بكنيسة. إذ يقتضي الأمر 10 سنوات على الأقل للحصول على إذن بترميم كنيسة أو تشييد أخرى جديدة».
ــ ويظل العراق أكثر أمثلة النزف المسيحي الشرقي سخونة، علماً أن ثمة تبايناً في الآراء المطروحة حيال المسألة. فمن جهة أولى تحاول بعض المعلومات رسم صورة إيجابية عن المرحلة التي تلت سقوط نظام صدام حسين، فتتحدث عن «انتعاش نسبي للحضور المسيحي في العراق في الأعوام الثلاثة الماضية». وتقدّم وجهة النظر هذه أمثلة بسيطة مؤيّدة لرأيها، منها قيام «كلية بابل للفلسفة واللاهوت» في بغداد أخيراً، وهي المنتمية الى الجامعة الأوربانية الحبرية، وقد بلغ عدد طلبة اللاهوت فيها هذه السنة نحو 90 طالباً، وأكثر من مئتي طالب آخر في «معهد التثقيف المسيحي» الموازي لها. وتتحدث عن بدء الكنائس العراقية المختلفة افتتاح مدارسها الأهلية، وعن «حملة كبيرة لإعادة بناء عشرات القرى المسيحية التي هدمت في الماضي».
غير أن معلومات مقابلة تقدم صورة أكثر سوداوية، فتتحدث عن هجرة كلدانية جماعية نحو الدول الاسكندينافية، قدّرت أعدادها بنحو 40 ألف مسيحي، وتتم بتسهيل من مسؤولين روحيين في الداخل والخارج. وتعطي هذه الجهات رقماً لا يقل عن 30% من المهاجرين من أصل مسيحيي العراق، في الأعوام الأربعة الماضية. ولا تتردد هذه المعلومات في عزو الأسباب الى كون العراق قد تحوّل بالنسبة الى المسيحيين «بلد الحياة الذميّة»، كما يقول أحد الآباء.
وإزاء هذه الأمثلة تتحدث المعلومات الأخرى عن بعض استقرار مسيحي ديموغرافي في الأردن ولبنان وسوريا، نسبة الى أوضاع البلدان الأخرى، علماً أن المسيحيين السوريين كانوا يشكلون قبل ربع قرن نحو 16،5 في المئة من سكان سوريا، فيما باتوا اليوم أقل من 10%. غير أن وتيرة النزف في الدول الثلاث الأخيرة تظل أقل إقلاقاً منها في الأمثلة السابقة.
لماذا يرحلون؟
«يهاجر الناس عندما يبتلون بطاعون الحزب الواحد، وعندما يعيشون في وطن تحوّل الى سفاري تسرح فيها الضواري، ليس فيها أي ضمانة لأي شيء، في أي مكان وزمان. يفرّ البشر الى بلاد الحرية، والى مجتمعات ينعم فيها الإنسان بالضمانات، وينام قرير العين من دون خوف من أباطرة الأمن ورجال الاستخبارات، وحيث الأمان والاستقرار السياسي». هكذا يختصر أحد المراجع الروحية الأسباب الموضوعية للهجرة، ليلاحظ آخرون أنها ليست سوى التعبيرات المتعددة لأزمة واحدة: أزمة المنطقة مع المعاصرة. أزمة «الديموقراطية الخاصة» في هذا الشرق، وأزمة ما ينبثق منها من رفض «الآخر». وها هو تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية العربية للعام 2002، يخلص الى أن غياب الديموقراطية في هذه المنطقة هو ما أطاح الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي وحقوق الإنسان دفعة واحدة.
ولا يسقط الآباء الوجهات الأخرى للأزمة، فتتشعّب التقليبات بين حقيقة الإسلام، والحقائق الممارسة باسمه، وبين وجود إسرائيل وتسعيرها أزمات المنطقة كلها، وصولاً الى الإقرار بالضرر الناتج من بعض السياسات الغربية في الأعوام الماضية.
لكن ماذا عن الذاتي من أسباب الهجرة؟ لتكرّ في هذا المجال أيضاً عشرات الأمثلة والأدلّة: «لم يعد المسيحي يملك حس الانتماء الى أرضه ووطنه وكنيسته. قد تكون ضريبة الحرية المسيحية بالذات، يدفعها معتنقوها. قد يكون تغرّبه قبل الغربة. قد تكون مسؤولية الكنيسة في قدرتها على الالتحام بمؤمنيها»... قد تكون كل تلك الأسباب وغيرها. لكن الأكيد، كما يجمع آباء المؤتمر، أن ثمة ضعفاً ووهناً كبيرين في إحساس المسيحي بانتمائه الى هذه المنطقة من العالم، على عكس سواه من أبناء ديانات هذا الشرق، «أنظروا كيف تصرّف النازحون في حرب تموز الأخيرة في لبنان، مليون إنسان عادوا في غضون ساعات، ليقيموا في العراء وتحت الخيم المنصوبة، تعبيراً عن تمسكهم بأرضهم»، عبارة واحدة يطلقها أحد المراجع، تكفي لحصد هزات الرؤوس إجماعاً.
هل من معالجة بعد؟
«لم يكن مصير مسيحيي الشرق مهدداً مرة كما هو اليوم. إن زوالهم بات احتمالاً متزايد الترجيح، مع الاهتراء المتواصل للوضع. فالهجرة تتحوّل اقتلاعاً كاملاً، وهذا ما يجعلها خطراً محدقاً». هكذا ينظر أحد مراجع المؤتمر الى المستقبل. لكن صوت مرجع آخر يظل يردد: «لا تيأسوا أبداً من رحمة الرب». وبين الاثنين تطول مقترحات المعالجة والمواجهة. لكن خلاصاتها تظل واحدة: كيف يصمد المسيحيون في هذا الشرق، حتى تنتهي أزمته مع الديموقراطية؟ وصية يوحنا بولس الثاني بـ«أن ازدهار المسيحية في لبنان لهو شرط لوجود الأقليات في الشرق الأوسط»، حاضرة دائماً كمدخل لبحث الحلول. لكن الصورة تصير أكثر تشويشاً في ظل الصورة الاقليمية والدولية، من تقرير جيمس بيكر عن العراق، الى الاتجاه الدولي المتأرجح بين صدام الحضارات أو حوارها. لكن الرسالة الفاتيكانية الى مسيحيي لبنان تظل صالحة في كل الأحوال: «اعرفوا دونما سذاجة كيف تثقون بالآخرين (...) لا تخافوا ولا تستحيوا أبداً عندما يجب أن تدافعوا عن حرياتكم، وخاصة عن حرية القيم الإنجيلية التي تحيونها معاً». يصلّي بطاركة الشرق الكاثوليك كثيراً أمام المرجوّ منهم، وأمام الأرقام الماثلة أمامهم: أقل من 10 ملايين مسيحي شرقي، بين نحو 300 مليون من الديانات الأخرى. كم كانوا قبل؟ كم سيصيرون بعد؟ قد يكفي المؤمنين جواب من الرسالة البابوية «نور الشرق»، في «أن رجال الشرق ونساءه لنا علامات من السيد الرب الذي سيأتي» ومن أنه «كل يوم من الشرق تبزغ شمس الرجاء، النور الذي يعيد الحياة الى الجنس البشري». هل حقاً يكفي؟