ينتمي سعد الله ونوس إلى جيل من الكتّاب والمثقفين العرب الذين عاصروا لحظتين مهمتين في التاريخ الحديث للأمة العربية: لحظة صعودها، ولحظة انكسارها. تمثّلت لحظة الصعود في المد الواسع الذي شهده الفكر القومي والتقدمي العربي، وتجلّت لحظة الانكسار بعمق في هزيمة حزيران 1967 التي كانت بمثابة زلزال مريع، أعقبه تمزقٌ واهتراء أصابا مختلف مؤسسات المجتمع العربي وبناه.


في مثل هذا السياق التاريخي الملتبس، عاش سعد الله ونوس ومارس نشاطه الفكري والإبداعي مُتغلغلاً في شرايين النسيج الاجتماعي. وهو مثله مثل معظم أبناء جيله، كان صاحب مشروع رؤيوي كبير، يتسم بعمق نافذ، ووضوح باهر، ونبل إنساني شامل. مشروع يهدف إلى تغيير العالم، وينطلق من موقف نقدي واع وعميق لمشكلات الأمة ومؤسساتها وبناها الاجتماعية المختلفة. وقد اخترق هذا المشروع الفكري والرؤيوي أعماله المسرحية جميعاً، من مسرح التسييس إلى مسرحة التحولات والانهيارات، وكانت كتاباته النظرية والنقدية تُشكّل رافداً يُغني مشروعه الفكري والإبداعي قوة وصلابة وعُمقاً. من جانب آخر، مارس ونوس التدريس في «المعهد العالي للفنون المسرحية». ولأنه كان يؤمن ويفهم المسرح على أنه أداة فعّالة في المشروع التنويري، فقد كانت المشاركة في تعليم جيل يدرس المسرح هو جزء لا يتجزأ من مشروعه. وفي هذا السياق، أراني في ما أكتب أتناول الخاص في علاقتي وأبناء جيلي من الطلاب بسعد الله ونوس المُعلّم والإنسان.


علّمنا كيف نعيد النظر
والتفكير في رؤى صارت
مع الزمن من المسلّمات
الخاص الذي يعدّ تاريخاً لولادة زمني الآخر، زمن تعرّفي إلى المسرح، يوم كان يلقانا طلاباً يشارك بحماسة في تكوين وعيهم المعرفي. لقد كسر سعد الله ونوس، ببراعة وعلمية، تلك العلاقة التقليدية بين المُحاضر والطلبة، فحرّرنا من ذلك الشعور بالرهبة من أننا إزاء كاتب كبير، وكان يُشرّع أمامنا نوافذ ترينا من المسرح ما لم نكن نراه. ولم يألُ جهداً، بل ويُصرّ رغم انشغاله، على متابعة ما نقوم به خارج إطار الدرس، انطلاقاً من إحساس فريد ونبيل بالمسؤولية تجاهنا. في منزله المتواضع، إلا من حضور الثقافة فيه، كان يشع فرح لقائنا به، ليناقشنا في نصوص كتبناها أو مشاريع مسرحية ننوي الانخراط بها. بينما أكتب هذه الكلمات، يُخيّل إليّ أن أستاذي سعد الله ونوس لم يغادر مكانه في تلك القاعة الصغيرة المُطلة على الحديقة، في «المعهد العالي للفنون المسرحية»، حيث كنا نتابع نحن طلاب قسم الدراسات المسرحية محاضراته في المسرح العربي والكتابة المسرحية. يومها كان غارقاً في البحث عن مسرح عربي جديد، فتحوّلت محاضراته إلى نقاش طويل لا يركن إلى المسلّمات والأفكار الجاهزة. علّمنا كيف نعيد النظر والتفكير، في رؤى صارت مع الزمن من المسلّمات، وفي آراء كرّسها باحثون معروفون حاولوا فيها ليّ عنق نصوص تعتبر من أيقونات التراث العربي كي يثبتوا أنها مسرح، منطلقين في هذا ليس من هاجس علمي مسرحي، إنما من سؤال كيف أعرّف نفسي إزاء الغرب! علّمنا سعد الله ونوس أن لا مبرّر للشعور بالنقص الذي ساد لدى معظم المسرحيين، لأن العرب قديماً لم يعرفوا المسرح بمعنى النص الدرامي، فلكل جماعة بشرية خصوصيتها في تحديد ضروراتها، وأنه كان لا بدّ من تضافر عوامل تاريخية يتجاوز مداها المشكلة الثقافية الصرفة حتى نعرف المسرح. لم يكن التعليم بالنسبة إليه تلقيناً جاهزاً ومُعطى، بل محاولة للكشف عن آليات يُمكن أن تهيئ الأذهان لاستكشاف الصواب، أو تتأمّل الإشكالية التي يطرحها. تعلمنا من سعد الله ونوس احترام التعددية، وأن نتمسّك بالمسرح لأنه يوقظ انتماءنا إلى الجماعة. تعلمنا منه وهو على تخوم العمر، أننا في الكتابة نُقاوم الموت ونُدافع عن الحياة.
* أكاديمية وناقدة سورية