بإمكان أي ناقد أو قارئ أن يتّهم رواية «جنة البرابرة» (دار العين ــ مصر) لخليل صويلح، بأنّها تكادُ لا تمتُّ لهذا الجنس الأدبي بصلة. وسيكون على بعض الحقّ، فحينَ نكون إزاء 166 صفحة، تُوَثِّق أحداثاً متسلسلةً من التاريخ القريب للحرب السورية؛ لا يتبادر إلى ذهننا أننا نقرأ أدباً، واقعياً كانَ أو غيره من أنواع الأدب. في هكذا نصٍّ مغايرٍ ومشاكس، لا يرينا الروائي من إمكاناته سوى أسلوب الموثِّق/ المؤرِّخ فيه، عارضاً علينا رؤيتهُ الخاصة للمشهد. عبر صياغة العناوين (إن لم نقل المانشيتات بينها: «موسم وحيد القرن»، «بلاد لم تعد موجودة إلا في مصوّرات «غوغل إيرث»»، «دائرة نفوس الكتائب المسلّحة»)؛ وانتقاء أحداث بعينها لتوثيقها؛ وإعطاء الأولوية لبعضها دون البعض؛ يتّخذ دور وسيلة إعلامية خاصة ومستقلّة لرواية ما حدث. بالمقابل، لا يمكن لأي منا تجاهُل مقدار ما لهذا الأسلوب من قدرة على جذب القارئ وأسرِهِ لالتهامِ صفحاتِ قصّة يعرفها سلفاً بالكامل. بل أكثر مِن ذلك ــ في ما يخصّ السوريين ــ قد عاشها ويعيشها بالتفاصيل المكتوبةِ ذاتها. هنا تكمنُ صعوبة غير قليلة بلا شكّ. كيف كان بإمكان صويلح أن يدخل هكذا مغامرة أدبية خَطِرَة، إنْ لم يُراهن بثقةٍ على أنّه قد خُصَّ برؤية أكثر شموليةً وعمقاً للمشهد السوري؛ وبالتالي قدرةً على أسطَرَةِ هذا الواقع الدموي دونما أدوات فنّية لهذهِ الأسطرة؟ ليس بمقدور فجائعية المشهد وحدها مهما فاقت الحدّ أن تكون سبباً لمعاودة رؤية فيلم سبق أن رأيناه أكثر مِن مرّة.


وأمّا صدقُ الراوي؛ تورّطه العاطفيُّ مع الشخصيات، ذكاءُ المخرجِ في توجيهِ زاويةِ الكاميرا؛ وملاءمة موسيقى الخلفية؛ فهذا كلّهُ مجتمع ضروري ولازم لتحقيق مثل هذا النجاح. أكثر ما يجذبك لعالم «جنة البرابرة» هو قدرتها على جعلك ترى نفسك كما لم ترها قبلاً في زحمةِ الحرب. تشفق عليها تارة، وتلعنها طوراً، وكذلك الحال مع البلاد أيضاً. بين صفحة وأخرى، ينقلكَ صويلح بين شعورين على درجة عالية من التناقض: آناً تُصدقُ أنَّ هذه البلاد تستحقُّ اللعنة التي تنبأ بها الأجداد المؤرّخون، وآناً تبكي لشدةِ ما نُكِّلَ بكلِّ جمالٍ وعلامةِ حياةٍ فيها.
رغمَ هولِ ما يحدث معنا وحولنا نحن المدنيين من السوريين، لا نقدرُ على الإفلات من المحاولة المستمرة لنكران الواقع عبر تحويله إلى حكايات نرويها بعضنا لبعض في البيوت والمقاهي وسائر مجالس الأمان المؤقّتة. نروي ونستمع إلى روايات وسائل الإعلام عنّا، فيما تضيعُ حقيقةُ ما حدثَ فعلاً وسطَ هذا الزخم الأدبي الفائضِ عن الحد في التخيّل والتحريف والمبالغات المغرضة أو حتى العفوية. لعلَّ هذا بالذات ما دفعَ الروائي صويلح إلى التوثيق بهكذا لغةٍ حياديةٍ جادّة ومسؤولة، تُنقِذُ ما بإمكانها أن تنقذ من بقايا مخزون الذاكرة الأصل ضمن طوفان الذواكر المشوّهة المتسارعة. تذكّرنا «جنّة البرابرة» ببعضِ ما نسيناه أو كدنا ننساه مما كان ظواهر مألوفة في حياتنا اليومية قريبة العهد، كالشعارات التي كانت تكتب على حاويات القمامة، وأخرى أفرزتها الحرب، لكنها سرعان ما اختفت لتحلّ محلها مصطلحات وشعارات مختلفة تلائم الحقبة الجديدة. ذاكَ أنَّ زمن الحرب أسرع بما لا يقاس من أزمنة السلم العادية كما بتنا نعرفُ جيداً.
يروي لنا صويلح قصصاً لم نسمعها بفعل العزلة المناطقية التي فرضت نفسها على جغرافيا سوريا. قصص من الشمالِ السوري وأخرى من الجنوب أو حتّى من الطرف الآخر القريب مِنَ العاصمة حيث نعيش. كما يحشدُ جملةً وتفصيلاً كمية الخسائر المادية والمعنوية التي ابتُلينا بها، معدّداً آثارنا المسروقة أو (المقتولة) بتهمة الكفر. يقارن بين طقوس حياتنا وقوانينها قبل الحرب وبعدها، ويذكّرنا عبر تناصٍ عجيب يصطاده، بالشبَهِ المرعب بين نصِّ اليوم ونص الماضي الذي سبقه بأكثر من ألف سنة. يستحضر كتباً تراثية وثّقت أحداثاً موازية وقعت ذات يوم في دمشق وحلب، فنقرأ بعيونٍ جديدة ما سبقَ وكتب ابن خلدون وابن عساكر وما وثّقَ شهاب الدين بن أحمد البديري الحلّاق في يومياته التي نجت بالمصادفة. عند مناسبات عدة أو على الأغلب مفارقات تُبرزُ مدى همجية واقع اليوم مقارنة بالأمس، يستحضر الشريف الإدريسي ومحيي الدين بن عربي، تماماً كما يستحضرُ روح عمر أميرالاي التي ودّعتنا منذ وقتٍ قريب، كما لو كان يرثي في مأتمٍ جماعي كلّ الرموز القديمة والجديدة التي صنعت لسوريا يوماً ما، وجهاً حضارياً وقيمةً ومكانة.
في الكتاب، نقرأُ دمعةَ هذه البلاد مكتوبةً لأوّل مرّة بفيضٍ صاف من الحب والحسرة والألم؛ وحينها لن يعنينا إنْ كانَ ما نقرأه روايةً أو تقريراً إخبارياً أو وثيقة تاريخية. يكفي الكاتب هنا شرف محاولة لملمة جروح بلاد ممزّقة وجمعها في خريطة واحدة وإن كانَ في متحفٍ افتراضيّ بحسب قوله، ناهيك عن أنه ــ في زمن شهود الزور ــ يضع بين أيدينا سرديات الشهود الحقيقيين من الناس العاديين الذين عانوا وتعذبوا. أولئك هم الضحايا وأهل الضحايا، وهم بالتالي أصحاب الحقّ الأول في قول كلمتهم عن هذه الحرب. يتنصّل صويلح من تهمة المؤرخ أو مدوّن اليوميات؛ يتنصّل مِن دور العرّاف والمُتنبِّئ المُلحَق بها. لكن يبدو أن كتابةَ المأساةَ بحدّ ذاتها تجرُّ الكاتب إلى حيث يرى ما سيحدث بعد مرور ألفِ يومٍ ويوم مِن الجحيم الصرف.