الكتابة الساخرة مثل العملة النادرة، وقلائل في العالم العربي كتبوا وسخروا من الواقع السياسي قبل كل شيء، ثم بقية أمور الحياة. في سوريا، كانت جريدة «الرأي العام» الدمشقية، أيام الديموقراطية، تنشر زاوية «بالعربي الفصيح» في بضعة سطور في صدر الصفحة الأولى. وقد تداول الزاوية كل من نجاة قصاب حسن (المحامي) ومحمد الماغوط (الشاعر) الذي كانت كلمته جارحة وقاسية في كبار السياسيين، ومع ذلك لم يقده أحد الى أقبية المخابرات، لأن هذا لم يكن موجوداً أصلاً للاعتداء على المواطنين بسبب ومن دون سبب.


لعل كاتباً آخر كان يمثل هذا المستوى، لكن بأسلوب طبعه، ولم يستطع أحد أن يقلده وهو الراحل أحمد شومان في زاويته الصغيرة في صدر الصفحة الأولى من جريدة «النهار». كان يسخر بقسوة من السياسيين وغول الرأسمال الذي لا يحلل ولا يحرم. من الكتّاب الحديثين في هذا المجال الأستاذ الجامعي غازي قهوجي في زاويته الساخرة في جريدة «القبس» الكويتية، ومن قبل في العديد من الصحف والمجلات اللبنانية. يملك هذا الكاتب قدرة على التلاعب باللفظة، فيفسرها القارئ على وجوه عدة. كانت زواياه أحياناً قاسية في تناول السياسيين الذين يلعبون على الحبال، وينقلون البندقية من كتف الى كتف بين ليلة وضحاها، وأحياناً سخرية ضاحكة «يفقع» فيها القارئ من الضحك على غرائب هذا المجتمع وخفاياه وأكاذيبه وتلوّنه حسب مصالحه، وسحب لقمة الخبز من فم الفقير. كانت مقالات غازي قهوجي المتنوعة، وما يكتبه الآن في الكويت حديث المجتمع. ويُقرأ أول ما يقرأ المرء الجريدة بين يديه، ببراعة قلّ نظيرها، فلفت أنظار الناس في هذا التخصص أكثر من نشاطاته الأخرى في التدريس الأكاديمي أو المسرح أو المشاركة في المؤتمرات الدولية. هكذا كان حرياً بـ»الحركة الثقافية في لبنان»، أن تكرمه بكتاب تحت عنوان «غازي قهوجي ــ فناناً وأديباً» جمعت بين دفتيه كل ما كُتب عنه في الصحافة اللبنانية والعربية. الكتاب أعدّه الشاعر السوري عبد القادر الحصني، وقدم للكتاب، الناشط الثقافي والشاعر بلال شرارة، منها: «أنت تستحق، وأنت في كامل بوحك وعمرك وأناقتك وفنك أن تُكرّم، وتستحق وقد أخذ الموج الذي يعزف على أرغن الشاطئ في صور، بلد المولد للمكرّم ــ والنسيم الذي يسري في مساءات نساء التوت والرمان والتبغ ــ أخذاً (الموج والنسيم) يقتفيان أوجاعنا ويغلبان كل واحد منا على أمره، فيما نحن لا نستسيغ أن نسلك خطوات الى الخلف ــ ثم إنهما أخذا ــ بأيدينا الى عمر منهك بتناقيه نستحق أن نتذكر». حفل الكتاب بمقالات كتبت عن المحتفى به ودراسات ثمّنت أسلوبه الجميل وتلاعبه باللفظة. ومن الذين كتبوا عنه، كاتب هذه الكلمات أيضاً. جميل أن يكرّم الكاتب والشاعر والفنان في حياته، حتى يرى بأمّ عينه ما فعله في مملكة الكتابة من موهبة ومعرفة بالمجتمع الذي ولد فيه.