مربك ومحيّر الوقوف أمام مناسبة وطنية بحجم النكبة الفلسطينية. ماذا يمكن أن يقال أو يكتب في إحياء ذكرى كهذه، وسط هذا الحطام الاجتماعي والفراغ السياسي اللذين يعيشهما الشعب والقضية معاً؟ وكأن بؤس الحاضر يجردك من شرعية الحديث عن خسارة الماضي، أو حتى ذكر إنجازاته.


أن تقف على مسافة 67 عاماً، وتنظر إلى الخلف متأملاً هذا التاريخ، ومنعطفاته، وصولاً إلى اليوم، لا بد أن تصاب بالذهول من النتيجة التي يمكن أن تخرج بها. فخراب البيت على يدي الغريب، لا يشبه إطلاقاً خرابه على أيدي أصحابه. خراب الغريب مستفز ومحفز، وفعله يخلق رد فعل، بينما خراب القريب باعث للخيبة والإحباط. بعد النكبة بسنوات قليلة خرج الفلسطينيون، من تحت ما ظنه العالم «رماد المحرقة»، وكأننا جثة لإحدى قبائل الهند أحرقوها، وانتظروا الزمن ليقوم بذرها في عيون النسيان. حيث تم تأسيس حركة وطنية تحررية، يقودها شباب متعلم، جلّه من الطبقة الوسطى، على أنقاض حركة وطنية تقليدية كان عصبها وجهاء عائلات إقطاعية. وبالتوازي تمّ إعادة بناء هوية فلسطينية عربية خالصة، استخلصت عناصرها ومميزاتها من التهجير والاقتلاع، وصنعت رموزها، وغذتها بالقدسية الضرورية واللازمة لعلاقة متينة بين الفرد وهويته هذه. ومن رحم النكبة ذاتها تمّت صياغة الذاكرة الجماعية. وقد تمّ تتويج كل ذلك ببرنامج وطني جامع، احتوته منظمة التحرير التي مثلت حكومة بلا دولة، لشعب بات بلا وطن.
والذي لا يقل أهمية عن ذلك، هو استطاعة المجتمع الفلسطيني مجاراة التحولات والتغيرات السوسيولوجية والاقتصادية، التي مرّ بها المجتمع العربي في ذلك الوقت، فلم يتخلف عنه، ولم ينقطع عن عصره. وصنع في المخيم ما يشبه «الثورة التعليمية»، حتى بات هذا المخيم مصدّراً للمعلّم والمهندس إلى البلاد العربية. ليس هنالك مبالغة في القول إن الشعب الفلسطيني، في أعقاب الكارثة، شهِد نهضة. وهذه مسألة، رغم أهميتها، ما زال بحثها مقتصراً على دراسات أكاديمية محدودة. فقد افترضت الحركة الصهيونية، حينها، أن الفتك بالنسيج الاجتماعي للفلسطينيين، وتدمير بنيتهم الاقتصادية، وإلحاقها باقتصاد «إسرائيل الوليدة»، سينتج منها، في أحسن الظروف، مجرد جماعة، أو جماعات بشرية، أي ما هو أقل من مجتمع بالمعنى الشامل للكلمة. ولكن ما حصل فعلياً أن نكبة الوطن صنعت نهضة إنسان. كلّ ذلك أنجزه شعب خارج من كارثة، في أقل من عشرين عاماً.
ربما لسنا بحاجة إلى وصف الحاضر بالتفصيل حتى ندرك الفرق ما بين خراب العدو وخراب صاحب البيت، فهو واقع معيش يومياً. الحركة الوطنية، اليوم، انهارت، وتمّت مصادرتها من الطبقة الوسطى، التي أسّستها، لتصبح رهينة طبقة «رأسمالية جديدة»، كما كانت قبل النكبة رهينة «إقطاعيين»، وهذه الرأسمالية بدورها صادرت المشروع الوطني، وعملت على تفكيك مؤسساته، فتحولت «منظمة التحرير» إلى خراب، وهو ما أدخل الهوية الفلسطينية في أزمة حقيقية، أعمى من لا يراها. وحتى من بقي منا قادراًَ على فعل النضال والمقاومة، فقد لحق الركب في السنوات العشر الأخيرة، ودخل في صراع حقيقي بين مكوناته. فلديه قاعدة ترفض هذا اللحاق، وتصطدم مع قيادة تعلن رفضها للمفاوضات، ولكنها تستهوي «الدردشة»، وترفض التنازل، ولكنها تفكر «بالهدنة». فعدنا شعباً، وقضية، إلى المربع الأول، نعيش فراغاً سياسياً، شبيهاً بذلك الفراغ الذي ساد السنوات القليلة الأولى بعد التهجير. وكل هذه الانهيارات حدثت أيضاً في أقل من عشرين عاماً.
هذا التوصيف ليس المقصود منه أن نندب حظنا، أو نجلس في الزاوية ويدنا على خدنا، بل حتى نقرأ الترجمة العملية لهذا الانهيار والفراغ، وانعكاساته على سلوكنا السياسي والاجتماعي اليوم، ولنستطيع بذلك تفسير حيثيات علاقتنا الحالية بالذكرى والذاكرة، حتى لا نكون كمن يكذب على نفسه.
ما يحدث في الخامس عشر من أيار من هذا العام، وكما في الأعوام الأخيرة أيضاً، ليس إحياءً لذكرى النكبة، بل هو مجرد طقوس باتت تمارس من دون معنى، كمن يقلد الآخرين في صلاة ما دون إيمان، أو وعي لمعنى الحركات التي يؤديها، وكأنها «احتفالية». وإلا ما معنى أن نتجمع اليوم في ساحات المدن، مستحضرين كل رموز قضيتنا، ثم ننفضّ، إلى أن نعود العام القادم؟ الهبوط من قدسية الرموز إلى ميكانيكية الطقوس، أي إلى ممارسات محفوظة عن ظهر قلب، هو تعبير عن غياب الفعل، وغياب الفعل يأتي نتيجة لغياب الحافز. ليس الدليل على بقاء النكبة خضراء، في قلوبنا وذاكرتنا، هو اجتماعنا اليوم في ساحات العالم وعواصمه، بل في نوع الفعل وحجمه، ما بين الذكرى والذكرى. المخيم والمفتاح وحق العودة، كلها رموز تشكل ثقافة، وثقافة المخيم أنجبت الفدائي، والإيمان بحق العودة دفع هذا الفدائي إلى اقتحام الحدود، والموت، ولو على مشارف الوطن. ولا معنى لهذه الرموز لو لم تصنع هذا الفعل. بينما الفراغ السياسي، وهذا الحطام الاجتماعي، قد أعادا الفدائي إلى مجرد لاجئ، وهذا اللاجئ اليوم، بدلاً من اقتحام حدود الوطن، بات يموت في عرض البحر، وعلى حدود مناف جديدة. وما ندّعيه من إيمان بحق العودة، لم يعد يمنعنا من التصفيق «لنصف كرسي» في الأمم المتحدة. يكفي أن تتابع وسائل الإعلام الفلسطينية، وهي تحيي هذه الذكرى برومانسية ساذجة، أو أن تسمع بأن الموظف، في الضفة وغزة، يستثمر خروجه الباكر من العمل بالعودة إلى منزله، أو لقضاء حاجياته الخاصة. هل هنالك أكثر من ذلك تعبيراً عن انهيار الرمز، وغياب المقدس الساكن فيه؟
مرة أخرى، هذه ليست مقارنة لليأس أو الإحباط. وهذا لا يعني أن المشهد بكامله أسود. فيمكن التقاط الأمل من مقاومة القدس، المنفردة، على سبيل المثال، منذ العام الماضي تحديداً، ومن غزة، ومن غضب دفين ينضج على نار هادئة في عموم الضفة الغربية، وفي الداخل، الذي لم يضعف يوماً، رغم تهميشنا الكامل له، وفي الشتات. ولكن، في الوقت نفسه، فإن التعلق بهذه النوافذ من الأمل، وتجاهل الحطام والفراغ القائم، أشبه بعملية انتحار بطيء. ولا يمكن معالجة هذا الفراغ السياسي إلا بإدراك حقيقة الحاضر، وبالقطيعة التامة معه، ومع مكوناته السياسية. ليس من السهل التنبّؤ بكيفية حدوث هذه القطيعة. هل هي بفوضى عارمة؟ أو بانتفاضة، لا بد أن تقع، فتفرز واقعاً جديداً بالكامل؟ أم بتمرد الحركات السياسية، الحالية، على ذاتها؟ وحينها تعود القدسية للرموز، والحرارة للطقوس، فنعود لنمارسها بكامل الوعي والإيمان.