جوزف سماحة


إننا، نحن العرب، متّجهون نحو «بهدلة» سيسببها لنا حكامنا ومسؤولونا. نقترب منها بخطى حثيثة. لن تمضي أسابيع إلا ويكون المحظور قد وقع. لن نستطيع فعل شيء لتجنب هذه الكأس المرّة. وقائع هذه «البهدلة» معلنة.
بُعيد شروع إسرائيل في عدوانها على لبنان عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً لهم في القاهرة. أصدروا شهادة وفاة متأخرة لعملية التسوية كما عشناها في السنوات الأخيرة. قال مسؤول، باسمهم، إن العالم كان يضحك علينا بإيهامنا أنه جاد في السعي نحو السلام. وتقرر، في هذا الاجتماع «التاريخي»، التخلص من الآليات المعتمدة للتسوية والتوجه إلى مجلس الأمن مباشرة لمطالبته بوضع يده على الموضوع وتحميله مسؤولية ذلك.
هذا ما حصل فيما كانت إسرائيل تهاجم والمقاومة تقاوم واللبنانيون يصمدون بالرغم من جنوح بعضهم نحو الاستعداد لتلقف آثار الحرب التي ستربحها إسرائيل بالتأكيد. كان يجب علينا أن ننتبه إلى أن الاجتماع هو الواقعة الأولى في سلسلة ما سوف يقودنا إلى المهزلة اللاحقة. فوزراؤنا بدوا، في أحسن الأحوال، محايدين أو عاجزين أمام الولايات المتحدة وإسرائيل وقرروا، مع ذلك، الهرب إلى الأمام.
مَن كان يعتقد أن قضية بمستوى الإعلان عن موت عملية التسوية بشكلها المعروف والتوجّه نحو اقتراح بدائل يُفترض فيها أن تثير نقاشات واسعة فعليه أن يكتفي بما كُتب له من سذاجة. لم يعقب الاعتراف بالوفاة أي إعلان عن المولود الجديد.
غير أن تسريبات صحافية ذكرت أن الجامعة العربية أرسلت إلى مجلس الأمن مذكّرة تقترح فيها تصوّراً يقوم على الآتي:
أولاً ــ عقد اجتماع وزاري لمجلس الأمن في بحر شهر أيلول الجاري (في 23 منه؟) يتخلله عدد من الجلسات المغلقة من أجل تبنّي قرار جديد حول التسوية العامة.
ثانياً ــ عقد مؤتمر دولي قبل نهاية هذا العام من أجل بدء المفاوضات على ثلاثة مسارات فلسطينية وسورية ولبنانية بعد اجتماع لمجلس الأمن في تشرين الأول يُحدد موعد هذا المؤتمر ومكانه.
ثالثاً ــ إعادة تأكيد مرجعية المفاوضات.
رابعاً ــ تحديد الإطار الزمني (سنة) لإنهاء المفاوضات.
خامساً ــ التوافق على مجموعة عناصر تشمل رعاية مجلس الأمن وتعريف دوره الإشرافي، تقارير شهرية حول التقدم، مراقبة تمسّك المتفاوضين بتعهداتهم، وضع آلية للتعاطي مع احتمال الفشل...
يعني ما تقدم أن «العربي الحالم» في الجامعة التليدة يراهن على لقاءات ستُعقد بعد أيام، وعلى حلول السلام الشامل في الشرق الأوسط بعد أشهر أي... غداً.
لم تمض أيام على تسريب هذه المذكرة حتى كان مندوبو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ينفون علمهم بها. قد لا يكون النفي صحيحاً إلا أنه دليل على ضرورة توفير واقعة أخرى في «البهدلة» المعلنة. ففي النهاية يعرف هؤلاء المندوبون أن الأمر لا يعدو كونه مذكرة من «النظام العربي الرسمي» وهو، في تقديرهم، قليل الوزن.
كان يمكن الافتراض أن دول الاتحاد الأوروبي ستهتم بهذه المبادرة وخاصة أن دورها المتعاظم في لبنان يجعلها تتنبّه إلى حيوية أن تزيد مساهمتها في مشاكل المنطقة وحلولها. هنا، أيضاً، لم يحصل شيء من هذا القبيل. فلقد اجتمع وزراء خارجية دول الاتحاد قبل أيام وأكدوا أن أقصى الأماني هو التوصّل إلى تحريك «خريطة الطريق». ويجب أن يكون معلوماً أن الفلسفة وراء «الخريطة» نفسها تتناقض مع الفلسفة التي تسند ما بات معروفاً عن المبادرة العربية. واقعة أخرى في مسلسل الإهانة.
لا داعي للقول، ربما، إن مسؤولاً أميركياً واحداً لم يكلّف نفسه، حتى الآن، التعليق، مجرد التعليق، على ما توافق الحكام العرب عليه. فالسياسة الأميركية في المنطقة سائرة على سكة لا تحيد عنها ولا تقيم اعتباراً لأي تدخل عربي من هذا النوع. تحدد المشكلات كما تراها، تعرف الحلول كما تريد. يمكن الإدارة، في أفضل الحالات، أن تختبئ وراء موعد الانتخابات النصفية لتبرر انشغالها عن هذه التفاصيل.
أما إسرائيل فلقد اعتبرت أن الوقت الفاصل بين تقديم المذكرة وانعقاد مجلس الأمن، والوقت الفاصل بين القرار 1701 وتطبيقه، أن هذا الوقت هو الأفضل من أجل مباشرة توسيع الاستيطان في القدس ومحيطها. رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، الغارق في الفضائح، يلوّح بإعادة إعمار الشمال الإسرائيلي لكنه ينفق الأموال من أجل دعم الاستيطان. ومع أنه أعلن طيّ «خطة الانطواء» فإنه لا يتحدث عن مفاوضات، ولا عن حلول شاملة، ولا حتى عن حلول جزئية. إن أكثر ما يمكنه التنازل نحوه هو احتمال الموافقة على عقد اجتماع مع محمود عباس من أجل البحث، على الأرجح، في كيفية إضعاف سلطة «حماس». لن تصل المبادرة العربية إلى مسامع إسرائيل الغارقة، حتى الأذنين، في الإعداد لحرب مقبلة على قاعدة دروس الحرب على لبنان.
كان من المرتجى أن تثير «الاندفاعة» العربية نحو مجلس الأمن اهتمام الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان. ولكن...
قال أنان أمس في مقابلة مع الزميلة «الحياة» إن «الجامعة العربية لديها اقتراح لمجلس الأمن للنظر في عملية السلام وقد أرادوا أن يكون الاجتماع خلال هذا الشهر وأنا خارج نيويورك ولستُ متأكداً مما قرره رئيس مجلس الأمن وإذا كان سيتم هذا الشهر أم لا. وإذا تأجّل فإنه يمكن عقد اجتماع وزاري أثناء عقد الجمعية العمومية». أما لماذا الاجتماع فلأنه، حسب أنان، «من أجل إعطاء أمل للناس»!
هكذا إذاً، باتت وظيفة «النظام العربي الرسمي» إطلاق الأفكار من أجل «إعطاء الأمل».
لم يعد ممكناً سحب المذكرة. ستقع الواقعة. «البهدلة» حاصلة لا محالة. كنا في غنى عنها. لم يكن ضرورياً أن ننتقل من مراسم دفن عملية التسوية مباشرة نحو «مبادرة الأمل» التعيسة هذه.