في 21 أيار 2000، بدأت رحلة أهالي الجنوبيين مع تحرير قراهم الحدودية. وعلى مدى خمسة أيام، تنقلت الأعراس في قرى الجنوب، وعاش الأهالي مشاعر لم يختبروها من قبل. وجوه مختلفة للفرح كانت تعبّر عنها الدموع حيناً، والضحكات حيناً آخر.


كيف يمكن وصف ما حصل في تلك الأيام؟ ماذا يقال عن لحظة لقاء أم بابنها المقاوم، وعودة ابنة مبعدة إلى أهلها بعد سنوات من التهجير؟ ووصول شاب إلى قبر أبيه بعدما حرم من المشاركة في دفنه؟ ووقوف أسير محرّر على باب حريته معانقاً خيوط الشمس التي حرم منها لسنوات؟
الكلّ قاوم على طريقته. من صمد وبقي في أرضه من دون أن يتعامل مع الاحتلال، ومن استمع إلى نشيد للمقاومة سراً، ومن أخفى صورة للسيد حسن نصر الله ولم يخرجها إلى الضوء إلا يوم التحرير، ومن عانى من ظلم محتلّ ومن إهانة عميل... لكن يبقى فعل المقاومة الأكبر هو الذي مارسه أهالي المقاومين الذين عاشوا غربة في قراهم، مثل حسرة والدة الأسير التي تشعر بخوف أهالي قريتها من الحديث معها، أو شعور والد الشهيد بالعزلة بعدما ابتعد عنه الأصدقاء خوفاً من انتقام العملاء.
لهذا استطاعت ساعات الأيام الخمسة، القصيرة، أن تنشر شعوراً بالفخر غزا وجدان معظم الجنوبيين الذين عانوا مرارة الاحتلال وذلّه أكثر من عقدين من الزمن. فالاحتلال لم يكن مجرد عبارة ستدوّن لاحقاً في كتاب التاريخ. هو مشاعر خوف وقهر ليال مرّت بلا نوم، ومغامرات للهروب من الأسر، وأخرى للتخطيط للعمل المقاوم طيلة السنوات الـ 22 التي امتدّ خلالها الاحتلال. هو تاريخ بدأنا اليوم نقصّه لجيل جديد يكبر وهو يعرف معنى كلمة انتصار، بعدما شبع جيل من سبقوه من كلمات النكبة والنكسة والهزيمة. تاريخ، علّم طفل الـ 2000 كيف لفرحته أن تطير فوق الغيم.
(بلدي)