سمع جهاد الكثير عن قريته التي زارها مراتٍ قليلة قبل عام 2000، لكن ذاكرته بقيت مرتبطة بسيارة جدّه البيضاء، ومنزله الساكن في الوادي بالقرب من موقع للاحتلال. هناك في ألبوم صور جلدي في مكتبةٍ عتيقة، حُفظت بعض الصور لطفولته، وسط حقول القمح الخضراء. أمدّته والدته بذاكرة أخرى عن طفولتها هي وعن «ساحة الضيعة» و»العين». حدّثته عن زمنٍ لا قصف فيه، ولا شظايا، وحريةٍ لا يحدّها موقعٌ أو دبابة، وليل آمن لا تستبيحه مداهمات جنودٍ يبحثون عن جارهم المقاوم الذي استشهد لاحقاً في مواجهة عدوه. كلّ ذلك تبدّل. دنّس المحتل أرض القرية، وطارد مقاوميها. صوت قذائف مدفع الاحتلال قاطع سرد الوالدة مراراً، وشظايا الموت قتلت وروداً زرعها جدّ جهاد خارج الدار.


أحبّ جهاد المقاومة، وزرع كجدّه وروداً ولكن من نوعٍ آخر وفي مكانٍ آخر. أحب اللباس المرقّط، والخوذة والجعبة، وبندقيةً رآها يوماً تُرفع بالقرب من منزله. سكن مشهد المقاوم عقل جهاد، وحلم أن يقدّم بندقيته إلى رجلٍ تمنى لُقياهُ دائماً رغم أنه لم يكن يعرف أي شيءٍ عن المقاومة سوى حبّه لها، ولم يحفظ شيئاً عنها إلا أناشيدها الحماسية. لا ينسى لحظات بعد الظهيرة، حين ينزل من باص المدرسة، ويقف عند مدخل «البناية»، يتأمل صوراً أُلصقت بشكلٍ مبعثر. وبعفوية الطفولة وبراءتها، يتأمل في محيا رجال كانوا جيرانه يوماً وأصبحوا أساطير: «شهداء المقاومة».
جهاد جزءٌ من نسيج أولاد «شارع الشورى». هذا الشارع الذي دُمّر في حرب تموز عام 2006. تقاسم مع أولاد «شلّته» تقاذف الكرة في ساحةٍ تتوسطها شجرة ضرب المثال بها لطولها. لطالما كسروا زجاج سيارات الجيران بكراتهم، وكثيراً ما وقفوا كلهم مذهولين أمام «الحرس». أولئك الرجال الذين يحمون المنطقة ويحفظون أمنها. كانت هذه فرصة جهاد ورفاقه للاقتراب من «مقاومين»، سيبدأون بملاحقتهم. صاروا يشاركون في احتفالات الحزب، ويذكرون طردهم منها لأنهم صغار، وإجلاسهم في الصفوف الخلفية، فيما يصرّون هم على الاقتراب ومصافحة «السيّد». لا ينسى أعضاء «الشلّة» أيلول عام 1997، يوم استشهاد ابن «السيّد»، ونصب الحزب خيمة كبيرة وسط «الشورى» لتقبل التهاني بالشهيد. حاولوا مراراً الدخول، لكن محاولاتهم باءت بالفشل. لم ييأس جهاد كرفاقه، غامر مراراً إلى أن وفّق وصافح «السيد» وقبّل يده. يومها أحسّ بأن الدنيا ملك يمينه. قال للشلّة: «شفت السيد وبستلّو إيدو». وكعادة الأطفال كذّبوه مباشرةً. «كيف دخلت؟»، سأله أحدهم. أجابه ببساطة «زمطت، وركضت بين الإجرين، وصرت جوّا».
في شهر أيّار من عام 2000. تفرّقوا لأيام، وزاروا قراهم الجنوبية، الحدودية منها والوسطى. يومها لبس جهاد، وكان في الثانية عشرة من عمره، ثيابه على عجل. لم يكن يعرف أكثر من أن «الجنوب تحرر، والمقاومة انتصرت». زُرعت ذكريات أيار في نفوس الشلّة، ورسّختها عمليات المقاومة ومشاهد تفجير مواقع العدو، وكلام «السيد» الذي حفظه الأولاد جيّداً.
كَبُرَ «الرفاق»، وسقوا ورود أحلامهم على طريقتهم. «مقاومون» حلم الطفولةِ، وأملُ الأيام القادمة. وكما كانت الكرة ملاذاً لهم وسط الأبنية الصّماء، صارت البنادق البلاستيكية ورصاصات «الخرز» ملاذاً أيضاً. ومع الأيام تبدّلت من البلاستيك إلى أخرى حديدية، ومن مواسم الأعياد إلى الصيف. نما حب «المقاومة» مع ذكريات الـ 2000، واستعراضات يوم القدس العالمي، ولم يكن ينقص إلا خطوة الانضمام إلى صفوف الحزب. ملأ جهاد استمارة الانتساب وانتظر طويلاً الموافقة، وبفارغ الصبر عدّ أيامه لاستدعائه للدورة.
كانت أول دورات جهاد العسكرية مع رفاقه، وهم في السادسة عشرة. حزم حقيبته، وأخذ بعضاً من «الزعتر والزيت»، كما نصحه أحدهم، لأنه «لا دلع في الدورات». لم ينم ليلها، وباكراً التحق بالمكان المقرّر. أيامٌ طويلة، ليال مقمرة، وظروفٌ قاسية. اشتياقٌ للعائلة، أصوات رصاص، وثيابٌ مرقطة. الحلم أصبح حقيقة. يتذكر جهاد آخر يومٍ في دورته الأولى، عندما طلب منهم تنفيذ محاكاة بـ»الإغارة على موقعٍ للاحتلال». حمل العلم، وأنجز المهمة باقتحام الموقع. «غرس رايته، وعاهدها»، ثم عاد إلى حياته الطبيعية مع الشلّة: رحلة الشتاء والصيف. بين مدرستين: مدنية، وأخرى عسكرية تمنى الالتحاق بها دوماً.
آمن جهاد ورفاقه بقضيتهم. ونمت ورودهم وكبرت. يفترقون أسبوعاً، ويجتمعون أسبوعاً، حسب خدمتهم في صفوف المقاومة. وعلى الرغم من «عشرة العمر»، إلا أنهم لا يتدخلون في أعمال بعضهم البعض. يخبّئون لأنفسهم خصوصيات «جهادهم». يوماً تصادفوا في إحدى النقاط، وقفوا جميعاً ونادوا صاحب إحدى الكاميرات لالتقاط صورة لهم.
هي قصّة أغلب «شلل» الضاحية أو البقاع أو الجنوب. هي ذكرياتٌ سيحملها جهاد ورفاقه ويخبرونها لأولادهم. هي قصة «زمنٍ جميل من عام 1982 حتى اليوم». فقد جهاد عدداً من رفاق الحي و«الصورة». «سبقوه»، كما يقول، يزور أضرحتهم قبل ذهابه الى عمله وعند عودته منه. أبناء الحي، تيقنوا أن «زمانهم جميلٌ أيضاً» كيف لا «وورودنا نسقيها كل يوم».