والدي الغالي... السلام عليكم ورحمة لله وبركاته، كيف حالك وما هي أخبارك؟ أسأل المولى سبحانه أن تكون في أتم صحة وأحسن حال. أكتب إليك هذه الأسطر وأنا في شوق شديد إليك لا يعلم مداه إلا لله سبحانه وتعالى، وفي نفس الوقت تختلجني مشاعر عملاقة، وعواطف متنوعة، وأحاسيس مختلفة، فقلمي سعيد بكتابة هذه الأسطر إليك، ولساني فرحٌ لإلقائه التحية عليك، ووجداني مشتاق لوصول الرسالة إليك لتعرف عني أي شيء، ولكن عن طريقي بنفسي، كما أن قلبي حزين لطول الفراق، ومشتاق للقياك، وقلق من ازدياد مدة الفراق، فلا أدري متى ييسّر المولى سبحانه لنا اللقيا، ولكني في نفس الوقت لا أدري من أين أبدأ، فالكلمات تتزاحم والأفكار تتداخل، لا أدري أأبدأ بألم الفراق. أو بأمل اللقيا. أسأل لله سبحانه وتعالى أن يجمعنا بك عاجلاً غير آجل.


والدي الحبيب.. لم أكن أتصور عندما فارقتك أنا وأخي خالد وأخي بكر عند سفح الجبال التي ذهبتم إليها عند مزرعة الزيتون أن يكون طول هذا الفراق المر.. ثماني سنوات متتابعات، وما زالت عيناي تَذكر آخر نَظرةٍ نظرتُها إليك عندما كنت تحت شجرة الزيتون وأعطيت كل واحد منا (سُبحة) نذكر لله بها، ثم ودعتنا وذهبنا وكأنما خلعنا أكبادنا وتركناها.
وكم كنت يا والدي الكريم أتمنى من أعماق قلبي أن أكون بجوارك، وخاصة في فترة النمو التي مررت بها حيث كان عمري عندما تركت ثلاث عشرة سنة وأصبحت الآن على مشارف الثانية والعشرين، كنت أتمنى أن أكون بجوارك لأتطبع بطباعك الحسنة وأكون كما تريد أو أفضل، وكما تتمنى أو أكثر، فقد مررت بمواقف عصيبة كنت أتمنى فيها أن أراك ولو دقيقة واحدة آخذ رأيك السديد فيها، وكنت كل مرة أجد القيود نحن ‑ بيني وبينك تمنعني، ولكن علمتني هذه المواقف كيف أكون رجلاً.

إخواني وأنا
سائرون على طريق الجهاد نفسه

الإخوان نساعد بعضنا البعض، ويشير كل منا بالنصح لأخيه، ونحن جميعاً حريصون على التطبع بطباعك الحميدة، ودائماً نذكر بعضنا البعض بها، وخاصة من إخواني الذين كانوا معك فترة أطول. وشاءت الأقدار ووقعنا في أيدي هؤلاء القوم ولا حول ولا، حیث لا نزال في أیدیهم، ولكن ما یحزني حقاً والله، أن قوافل المجاهدین قد سارت ولم ألتحق بها، وأن المجاهدین قد قطعوا في هذا المجال المفاوز الطوال وما زلت واقفاً مكاني تمنعني قیود الحدید، وقد قضیت فترة المراهقة وأنا في هذا المكان، ثم وما زلت في نفس المكان، وأخشى أن بدأت في فترة الشباب وقطعت منها شوطاً أقضي بقیة شبابي خلف قضبان الحدید، كما هو حال كثیر من الذین نسمع عنهم في أماكن شتى من العالم، لكني أرید أن أطلب منك طلباً بسیطاً، مع أنني على يقين تام بأنك تسعى لإنجازه، وتتمناه قبل ما أتمناه وهو: أن تحاول مع القوم بكل الطرق المناسبة لإخراجنا من أیدیهم سالمین آمنین.
والدي الكریم: إنه مما یسلیني بعد ما سقته لك من بعض آلامي، أني أحتسب هذا كله في سبیل لله عز وجل، وأننا لنا بإذن لله سبحانه وتعالى على هذا البلاء الأجر الكبیر والكثیر عند الله عز وجل، فقد أخرج البخاري في صحیحه من حدیث أنس رضي لله
عنه: {أنَّ رسولَ لله صلى لله علیه وسلّم رجعَ من غزوةِ تبوكَ فدَنا من المدینة فقال: إنَّ بالمدینةِ أقواماً ما سِرتم مَسِیراً ولاقَطعتُم وادیاً إلا كانوا مَعَكم. قالوا: یا رسولَ لله، وهم بالمدینة؟ قال: وهم بالمدینة، حَبَسهمُ العُذر} ونحن هنا محبوسون بالعذر غیر أننا زائدون عليهم بمیزة أخرى وهي أننا نحتسب أنفسنا في المكان الذي نحن فیه، محبوسون في سبیل لله ومن أجل لا إله إلا الله.. فكلما أتذكر هذا أجد لنفسي راحة وطمأنینة وسعادة، فنحن هنا بفضل لله عز وجل راضون كل الرضا بما قسمه لله لنا، موقنون بأن الذي اختاره لله لنا هو الأنفع والأفضل.
والدي الحبیب: أبشرك بأنا جمیعاً أنا وإخواني ولله الحمد سائرون على نفس الطریق.. طریق الجهاد في سبیل لله الذي شرعه لله سبحانه وتعالى لنا، فأمتنا تشكو جراحاً عمیقة، وإخواننا یقتلون، وشیوخنا یهانون، ونساؤنا یغتصبن، وأطفالنا یذبحون.. في كل مكان ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن نعمة لله سبحانه وتعالى علینا، أن من علینا ‑ بأب صالح یسلك هذا الطریق في زمنٍ قلًّ فیه السالكون، وتقاعدوا فیه عن الجهاد بأعذار لا حصر لها وقالوا: { لا تنفروا في الحر}، فنحن ماضون على هذا النهج، سائرون على هذا الطریق بإذن لله... طریق الجهاد في سبیل لله ما عشنا... إما أن ننال النصر وإما الشهادة التي هي غایة آمالنا، والمشایخ الذین معنا جزاهم لله خیر الجزاء لم یقصروا في توجيهنا إلى هذا الطریق بالكتاب والسنة ومواقف السلف وبعض التجارب التي عاشوها، ونحن الآن لا ننتظر إلا أن تتاح لنا الفرصة قریباً بإذن لله عز وجل لنعوض ما فاتنا.
والدي العزیز.. منذ سنوات عدة وأنا أُعدّ لك بشارة كبیرة أبشرك بها، لأدخل على قلبك السعادة والسرور، وأكون قد نلت بهذه البشارة جزءاً من برِّك الذي فاتني تقدیمه لك، بأني والحمد لله قد من لله علي وحبب إلي طریق العلم، ووجدت أمامي فراغاً كبیراً یساعدني على التفرغ لطلب العلم، ووجدت من الإخوة الأفاضل من یعبنني ویوجهني ویدلني على هذا الطریق، فبدأت بحمد الله فیه وحاولت أن أحصل كل ما سمحت به.
... أبي الغالي، كنت قد فارقتك وأنا طفل صغیر لم أتجاوز الثالثة عشرة، ولكني كبرت الآن وبلغت مبلغ الرجال، ولعلك لا تعرفني عندما تلقاني، فقد تغیرت ملامحي، وأنا ولله الحمد أعیش حیاة مستقرة، فقد من لله علي بالزوجة الصالحة ورزقني منها ابناً وسمیته على اسمك أسامة وبنتاً وسمیتها على اسم الوالدة، خیریة، وأسأل الله أن یقر عینك بهما ویجعلهما یقومان على خدمتك، وأسامة يبلغك السلام، وأسأل المولى عز وجل أن یجمعنا بك عاجلاً غير آجل، فها هي تباشیر النصر قد ظهرت، وانجلى اللیل الطویل وطلع الفجر الكاذب، ولم یبق إلا طلوع الفجر الصادق، وما أقربه، وسنخرج قریباً بإذن الله عز وجل كما خرجت والدتي ومن معها، لنلحق بركب الجهاد الذي لطالما انتظرنا اللحوق به.
وقبل الختام أودعك یا والدي العزیز وداعاً حاراً.. أتذكر فيه كل بسمة ابتسمتها لي، وكل كلمة وجهتها لي، وكل نظرة نظرتها لي، وأعتبر نفسي هذه المرة غلبت الحدید، ووصلت إلى والدي العزیز، في زیارة خاطفة بهذه الرسالة، لحظات معدودة أبث له فيها بعض همومي، ویشاركني فيها بعض أفراحي، ثم أعود مرة أخرى إلى نفس مكاني، على أملٍ كبیر من الرحیم الرحمن أن یفرج عنَّا ویلمّ شتاتنا ویكتب لنا أجرنا عنده إنه جوادٌ كریم، والسلام علیكم ورحمة الله وبركاته.
لا تنسونا من صالح دعائكم
ابنك المشتاق إليك: حمزة أبو أسامة
رجب 1430 هـ