طريق حلب إلى مجلس الأمن «مغلق مؤقتاً»، بينما يبدو الرهان على ضم المحافظة مجدّداً إلى اتفاق وقف إطلاق النار ضرباً من المغامرة. وتستمرّ عاصمة الشمال السوري محوراً لـ«حراك دبلوماسي» متصاعد لا تشي معطياتُه بانفراجة وشيكة، رغم أن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، بدا متفائلاً بحدوث إعلان وشيك لـ«هدنة» جديدة بتوافق روسي أميركي. وعزفت تصريحات الوزير على وتر مخالفٍ لما صدر قبل يومين عن نائبه غينادي غاتيلوف حول عدم نية بلاده «الضغط على دمشق من أجل وقف القتال في حلب لأنها تواجه تهديداً إرهابياً». وخلال مؤتمر صحفي عقده مع المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، قال لافروف: «يضع مسؤولون عسكريون روس وأميركيون اللمسات النهائية (...) آمل أن يُعلن هذا القرار قريباً، ربما في الساعات القادمة».
عاشت الأحياء الغربية محاولة جديدة لـ«فتح حلب»
بدوره، قال دي ميستورا إن «استئناف محادثات السلام أمر وارد إذا وُسِّع نطاق الهدنة لتشمل مدينة حلب»، وأكد أنّ شهر أيّار «سيكون شهراً مهما بالنسبة لسوريا». وبينما دعت فرنسا وبريطانيا إلى «عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لبحث الوضع» في المدينة، استبعد مندوب مصر الدائم لدى مجلس الأمن (ترأس بلاده الدورة الحاليّة للمجلس) عقد جلسة عاجلة، معلناً في الوقت نفسه أن «المبعوث الأممي سيطلع المجلس قريباً على الوضع في حلب». ويطير الأخير من موسكو التي عقد فيها مباحثات مع لافروف إلى برلين لإجراء محادثات مع وزيري خارجيتي فرنسا (جان مارك إيرولت) وألمانيا (فرانك فالتر شتاينماير)، إضافة إلى «المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات» رياض حجاب، وفقاً لما أعلنته الخارجيّة الألمانيّة في بيان أكّد «أن النقطة الأساسية في المحادثات هي كيفية تهيئة الأوضاع لمواصلة محادثات السلام السورية وخفض العنف وتحسين الأوضاع الإنسانية». وكان دي ميستورا قد استبق زيارته لروسيا بلقاءات عقدها في جنيف مع وزيري الخارجية الأميركي جون كيري، والسعودي عادل الجبير، رأى بعدَها أنّ «إحياء نظام وقف العمليات العدائية أصبح ضرورة ملحّة». وتكتسب الجولة الألمانيّة أهميّة خاصّة عقب الموقف المستجدّ لبرلين في شأن الحلم التركي المستمر بـ«منطقة آمنة»، ولا سيّما أنّ تحقيق هذا المطلب مرشّح ليكون بنداً أساسيّاً في «صفقة» تفضي إلى عزل «جبهة النصرة» عن بقية المجموعات المسلّحة في حلب على وجه الخصوص (راجع «الأخبار»، العدد 2876). وفي انتظار «طحين» تنتجه رحى السياسة، يبقى الميدان أصدق إنباءً، في ظلّ التصعيد الجنوني المتواصل واستمرار التحشيد العسكري. وخلافاً لمؤشّرات «صفقة عزل النصرة» عكست المستجدات العسكرية أمس التحاماً مستمرّاً بين الفرع السوري لـ«تنظيم القاعدة» ومعظم المجموعات المسلحة الناشطة في حلب. وعاشت الأحياء الغربية (الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية) يوماً دموياً غير مسبوق منذ شهور طويلة، وسط استمرار المجموعات في استهدافها بالتزامن مع محاولة جديدة لـ«فتح حلب». الهجوم قام به أساساً كلّ من «جبهة النصرة»، «حركة نور الدين زنكي» و«حركة أحرار الشام الإسلامية»، وانطلقَ قبل «الساعة الصفر» المفترضة وفقاً لما علمته «الأخبار». وأفادت معلومات متقاطعة بأن «الاستعداد لشنّ هجوم كاسح عبر محوري الراشدين والزهراء كانت قائمة منذ خمسة أيام، لكنّه انطلق قبل موعده المقرر بساعات». وكان من المفترض وفقاً لخطّة الهجوم الأساسية أن يبدأ ليلاً، لكن «تسرّب الخطّة دفع إلى تقديم موعده». الهجوم استهل بطريقة باتت معهودة في معارك جبهة الزهراء عبر تفجير نفق مفخّخ، فيما كانت الخطّة الأساسيّة تلحظ استغلال الظلام لتسلّل «انغماسيين» بغية السيطرة سريعاً على المنطقة. معارك عنيفة أعقبت الانفجار الضخم، وسط تأكيد مصدر ميداني سوري أن «الهدف الأساسي أُفشل، ونجحنا في امتصاص الفورة الأولى». المصدر قال لـ«الأخبار» إنّ «سلاح الجو استهدف أرتالاً عدّة كانت في طريقها لمشاركة المجموعات الإرهابية في الهجوم، بينما تواصل القوّات البرية التعامل مع الوضع على مختلف الجبهات». في المقابل، أكد مصدر في «حركة نور الدين زنكي» أن «النظام كان البادئ بالهجوم، وقد حاول اقتحام الراشدين، فجاء الرّدّ بهجمات معاكسة أدّت إلى تحرير منطقة الفاميلي هاوس ومزارع الأوبري».


قذيفة «معارضة» تستهدف مشفى

السكّان استمروا في دفع الثمن الفادح بعد أن واصل المسلّحون إمطار الأحياء الغربية بقذائف وصواريخ أوقعت عشرات الشهداء، الأمر الذي تكرّر في الأحياء الشرقيّة (الواقعة تحت سيطرة المسلّحين) نتيجة استهدافها بغارات جويّة. وانضمّ مشفى الضّبيط للتوليد (حيّ المحافظة) إلى قائمة المراكز الصحيّة المستهدفة خلال الهجمات الأخيرة في شطري المدينة، إثر استهداف المجموعات المسلّحة له بقذيفة صاروخيّة. ورغم أن بعض الناشطين المعارضين حاولوا الإيحاء بأن «استهداف المشفى انطلاقاً من مناطق سيطرة المعارضة أمر مستحيل»، غيرَ أنّ هذا الكلام يندرج في إطار التشويش الإعلامي، فالقذائف القادمة من حيّ بني زيد قادرة بسهولة على استهداف المنطقة ومناطق أخرى أبعد منها (وهو أمر حصل عشرات المرات سابقاً). وقالت وكالة «سانا» إنّ الحصيلة الأوليّة كانت «استشهاد ثلاث نساء وإصابة 17 آخرين»، فيما أكّد مصدر طبيّ سوري لـ«الأخبار» أنّ «الحصيلة مرشّحة للارتفاع». على صعيد متصل، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراً «يدين الهجمات على العاملين في المجال الطبي والإنساني في مناطق النزاع في أنحاء العالم».




أعلنت مديرية التربية في حلب أمس إرجاء الامتحانات التي كان مقرّراً انطلاقُها اليوم حتى الأحد القادم. وأعلنت تعليق الدوام الإداري خلال يومي الأربعاء والخميس. وجاء ذلك في ظل المخاوف المتزايدة من استمرار مسلسل استهداف المجموعات المسلّحة لمختلف أحياء حلب الغربيّة. وقال مصدر وزاري لـ«الأخبار» إنّه «في حال استمرار الوضع المتأزّم حتى يوم الأحد، فمن المرجّح إعلان تأجيل جديد، لكنّ هذا الكلام سابق لأوانه».