بعد أيام على إعلان ولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، رؤيته الاقتصادية، «رؤية المملكة 2030»، صُدم العالم بإعلان عملاق المقاولات السعودي «مجموعة بن لادن» الاستغناء عن 77 ألف عامل أجنبي و12 ألفاً من أصل 17 ألف مواطن سعودي يعملون في الشركة بوظائف تتراوح بين مسؤول إدارة ومهندس وإداري ومراقب. عشرة أشهر دراماتيكية مضت، واجهت فيها مجموعة بن لادن السعودية تطورات لم تعرفها من قبل؛ فعشية عيد العمال العالمي، نقلت وسائل إعلامية سعودية عن إدارة الشركة قرارها إصدار 77 ألف تأشيرة خروج لعمال أجانب يعملون في فروعها العديدة على الاراضي السعودية، فيما تم تخيير 12 ألف عامل سعودي بين قبول صرف راتب شهرين والاستقالة أو الانتظار ريثما تحل المشكلة. عقب تبلّغ الموظفين المنوي صرفهم بقرار إدارة «بن لادن»، اصطف الآلاف من العمال أمام مقر إمارة مكة وفي فرع الشركة بمكة المكرمة، معلنين رفضهم مغادرة البلاد قبل تسلّمهم كامل حقوقهم ورواتبهم التي لم تدفع منذ 6 أشهر، وسُجّلت عملية إحراق عمال غاضبين لتسع حافلات تعود ملكيتها للشركة. إلا أن وزير العمل السعودي مفرج الحقباني أعلن مساء أمس ــ على هامش مؤتمر يوروموني في الرياض ــ أن أزمة شركات بن لادن في طريقها إلى الحل، وأن بعض العمال سوف يقبضون رواتبهم هذا الشهر والبعض الآخر «لاحقاً». أزمة المجموعة بدأت في 11 أيلول/ سبتمبر 2015 مع حادث سقوط الرافعة على المعتمرين قبيل بدء موسم الحج بأيام، ليصدر الملك سلمان قراراً بمنع الشركة من استكمال أعمال التوسعة في الحرمين، ومنع دخول الشركة في أي مشاريع جديدة، إضافة الى حظر سفر أعضاء مجلس إدارة المجموعة والمديرين التنفيذيين حتى صدور نتيجة التحقيق في الحادث. مصدر مطلع في أحد فروع الشركة صرّح قبل شهرين بأن الأزمة التي تمرّ بها الشركة ترتبط بانخفاض أسعار النفط، وأن الهبوط في الأسعار دفع الحكومة الى تخفيف الإنفاق على مشاريع الإنشاءات.

لكن تاريخياً، مرّت أوقات عصيبة على شركة بن لادن تتشابه فصولها مع ما تمر به اليوم. الكاتب الأميركي ستيف كول ذكر في كتابه «آل بن لادن: العائلة العربية في القرن الأمريكي» الصادر عام 2008، تفاصيل الظروف التي مرّ بها مؤسس الشركة محمد بن لادن عندما أخذ يبني في عهد الملك سعود قصوراً لأبناء عبد العزيز، فيما لم تُصرف له أمواله المستحقة لوقت طويل، الأمر الذي اضطره الى الاستدانة من البنوك وصرف رواتب موظفيه من حساباته الخاصة. تكرر إمساك السلطة السعودية يدها عن دفع مستحقات الشركة في أكثر من عهد؛ ففي عهد الملك فهد حُجبت مستحقات الشركة لأشهر عديدة من دون سبب، في منتصف الثمانينيات، إلى أنّ تذلل سالم ــ زعيم عائلة بن لادن حينها ــ للملك وزجّ نفسه بين حاشيته في إحدى رحلاته، ما جعل فهد يصرف له مستحقاته. لم تحجز مستحقات الشركة بسبب ضائقة مالية أو روتين إداري، بل لأن الأمراء اعتبروا أن «لحم أكتاف بن لادن من خير آل سعود»، فيما لاحقت الرجل الحضرمي (نسبة إلى حضرموت) دائماً تهمة أنه يمني غريب، مع أنّ عبد العزيز منحه الجنسية في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، ورغم سعي بن لادن المؤسّس وأبنائه من بعده على تلبية رغبات «طويلي العمر»، ولم يجرؤ أحد من الأسرة على الخروج عليهم، عدا أسامة الذي اختار طريقاً مختلفاً.

الاستغناء عن 77 ألف عامل أجنبي و12 ألف سعودي

«بن لادن» أكبر شركة مقاولات في السعودية، وحتى في منطقة الشرق الأوسط، أنجزت على مدى عشرات السنين التوسيعات في الحرمين. بدأ محمد بن عوض بن لادن ــ مؤسّس الشركة ــ مشواره عتّالاً بعمر الخامسة عشرة في جدة، ثم شوّاءً خلال مواسم الحج والعمرة، بعدها بدأ بالتزام مشاريع مقاولات حتى وصل إلى بلاط عبد العزيز آل سعود، الذي وثق به وأوكل اليه مهمة أول توسعة في الحرمين في العهد السعودي، وقد أنجزها بنجاح عام 1955. استمرت الثقة ببن لادن وشركته مع كل ملوك آل سعود، وامتدت خدماته الى مجالات أوسع كشق الطرقات، وتشييد الجسور والمطارات والبنايات والقصور الملكية. توطدت العلاقة أكثر إبان فترة الصراع السعودي ــ الناصري، قدّم خلالها بن لادن مختلف أنواع الخدمات. تسلم فيصل الحكم رسمياً عام 1964 بعد خلع أخيه سعود، وكانت الدولة تغرق في الديون، فاستعان بأموال بن لادن الذي دفع من جيبه الخاص رواتب موظفي الدولة. كافأه فيصل على ذلك، فمنحه عقوداً طويلة الأمد لشركاته لإنشاء الطرق والجسور، وأعطاه امتياز التزود بالغاز الطبيعي المستخرج من آبار النفط التي تتولاها شركة آرامكو. لاحقاً، لبّى بن لادن طلب فيصل بتشييد جدران خرسانية ضخمة على الحدود اليمنية السعودية لصدّ المقاتلين في حقبة «ثورة اليمن»، لكنه قتل في حادث سقوط طائرته الخاصة في أيلول/ سبتمبر 1967 قرب الحدود. في منتصف السبعينيات استؤنفت العلاقة بين سالم ــ الابن البكر لمحمد بن لادن ــ مع ولي العهد السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز. لعب سالم دوراً كبيراً خلال فترة «الجهاد» في أفغانستان، وساهم في دعم أخيه أسامة بالمال والسلاح بالتعاون مع رئيس الاستخبارات العامة آنذاك تركي الفيصل. بلغت العلاقة فترتها الذهبية خلال فترة الثمانينيات؛ فسالم بن لادن شكّل الى جانب بندر بن سلطان (السفير السعودي في واشنطن في تلك الفترة) ذراعاً مهمة للملك فهد في أميركا، فكان يحضر بعض اجتماعاته مع الرئيس رونالد ريغن، ويسافر عبر عواصم العالم لتأمين الرفاهية للأمراء أينما حلوا. بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ادّعت المجموعة التي تولى بكر بن لادن مهمات إدارتها أن لا علاقة لها بأسامة، وأن ميراث الأب قد تم توزيعه قبل سنوات من الهجوم الارهابي، وبالتالي حجزت العائلة المثيرة للجدل مكاناً لها الى جانب حصانة ولاة أمرها.
لطالما اعتبر أبناء بن لادن «المقاولون» أن مصيرهم ومصير شركتهم يتعلق بمصير آل سعود. وقد ذكر ستيف كول هذه الفكرة في كتابه عندما تحدث عن تربية محمد بن لادن لأولاده، مورداً العبارة الآتية: «طاعة ولي الأمر فوق كل اعتبار»، لذلك كان مفاجئاً قرار سلمان، العام الماضي، تجريدهم من امتيازاتهم وإقصاؤهم بعد حادثة الرافعة. لعل تفسير الأسباب الحقيقية لقرار عزل مجموعة بن لادن يكمن لدى ابن سلمان بالتحديد، حيث انتشرت شائعات عقب حادثة الرافعة تتحدث عن استحواذه على مشاريع التوسعة في الحرمين، عبر إدخاله شركات تابعة له لتأخذ دور «مجموعة بن لادن»، التي على ما يبدو ستكون أولى ضحايا رؤيته التي أعلنها قبل عشرة أيام، ما ينذر بمستقبل مفخّخ لاستثمارات القطاع الخاص في مملكة السعوديين.