سبق الإعلان الأميركي للاتفاق مع روسيا على ضمّ حلب إلى اتفاق «الهدنة»، سلسلة من الاجتماعات والدعوات الدولية من «أصدقاء المعارضة» لبحث موضوع «الهدنة» والوضع الإنساني «المأسوي» في المدينة. التصعيد العسكري الذي استدرجته مئات القذائف من الفصائل المسلحة أتى بعد نهاية جولة المحادثات وانسحاب «الهيئة العليا» المعارضة، وسط تحذيرات من محاولات الجيش السوري وحلفائه استعادة السيطرة على حلب، عبر هجوم واسع ظهرت ملامحه في الحشد على الجبهات العسكرية، والتصريحات التي رافقته من دمشق. تخوّف أنقرة والرياض من خسارة كبرى في الميدان، ستغيّر بشكل محوري أرضية محادثات «جنيف»، انعكس رغبةً في تثبيت اتفاق «هدنة» شامل، يضم حلب ويثبت خرائط السيطرة فيها، ويتيح المجال لـ«إعادة هيكلة» الفصائل المفككة.

ضغط المعارضة وحلفائها تركز على تدهور الأوضاع الإنسانية، كدافع إلى ضرورة الإقرار العاجل للهدنة. وكان كافياً لتمرر واشنطن، اقتراحاً رفضته موسكو بأن تشمل «الهدنة» مناطق تسيطر عليها «جبهة النصرة»، وفق ما أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف. وفيما لم يوضح بيان الخارجية الأميركية تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه، والجبهات التي ستندرج ضمنه، أعلن الوزير جون كيري، الاتفاق مع موسكو على «توسيع نطاق اتفاق وقف الاقتتال في سوريا ليشمل مدينة حلب والمناطق المحيطة»، مضيفاً أن «البلدين سينسقان لتعزيز سبل مراقبة الترتيبات الجديدة» عبر مركز المراقبة المشترك في جنيف. وأشار البيان إلى أهمية أن «تضاعف روسيا جهودها للضغط على الرئيس السوري بشار الأسد لالتزام الترتيبات الجديدة، بينما ستقوم الولايات المتحدة بدورها مع فصائل المعارضة». وذكر البيان أن الاتفاق أيضاً ضم تمديد اتفاق الهدنة في الغوطة الشرقية لدمشق، لمدة 48 ساعة إضافية. وفيما أشار بيان الخارجية الأميركية إلى دخول الاتفاق حيز التنفيذ منذ بداية يوم أمس، أعلن الجيش السوري التزامه تطبيق نظام التهدئة في حلب لمدة 48 ساعة، بدءاً من الساعة الواحدة صباح اليوم.

لافروف: نزوات «الهيئة العليا» تعيق المحادثات المباشرة

وكان لافروف قد أشار إلى أن اقتراح واشنطن ضم مواقع تسيطر عليها «النصرة» إلى اتفاق الهدنة في حلب «يدفعنا إلى التفكير في أن شخصاً يريد استخدام الأميركيين لمنع هجمات تستهدف النصرة». وأعرب في مقابلة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، عن رفض روسيا رهان من يدعم «النصرة» على حل الأزمة بالقوة، موضحاً: «هناك أطراف كثيرة تريد إفشال الهدنة، لقد تحدثت سابقاً عن اللعبة التي تخوضها جبهة النصرة، وكذلك مشكلة الحدود التركية التي تظل مليئة بالثُّغَر لنقل الأسلحة والمسلحين، وتهريب النفط والآثار».
وأكد الوزير الروسي أن بلاده تدعم الرئيس الأسد في مكافحة الإرهاب وحماية الدولة السورية، غير أنه «ليس حليفنا مثلما تركيا حليفة للولايات المتحدة». وحول جولة المحادثات المرتقبة، رأى أن «الحوار سيكون غير مباشر على الأرجح»، موضحاً أن الظروف لم تتهيأ بعد للمحادثات المباشرة، لكون «الهيئة العليا للتفاوض التي نصبت نفسها بنفسها، لديها نزوات كثيرة تحت التأثير السيئ للرعاة الخارجيين، وفي المقام الأول تركيا». وتابع قائلاً إن موسكو تأسف لأن الاتحاد الأوروبي تحت ابتزاز تركيا، بدأ يأخذ فكرة تقسيم سوريا إلى مناطق أمنية كأمر مفروغ منه، مستبعداً أن يجرؤ أي أحد على القيام بعملية برية في سوريا، في ظل وجود القوات الروسية هناك. وفي السياق، قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، إن بلاده مستعدة لإرسال قوات برية إلى سوريا عند الضرورة، مستدركاً بأن أنقرة ترغب في التحرك بالتعاون مع حلفائها الغربيين والخليجيين، و«تفضل الحصول على موافقة دولية، لأن تنظيم الدولة الإسلامية مسألة تشغل العالم بأكمله».
إلى ذلك، طالب مساعد وزير الخارجية الإيراني في الشؤون العربية والأفريقية، حسين أميرعبد اللهيان، بإدراج تنظيمي «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، معرباً عن أسفه لتجاهل بعض الدول توصيات إيران وروسيا بشأن تحديد تلك القائمة. وأكد خلال لقاء في موسكو مع نظيره الروسي، ميخائيل بوغدانوف، ضرورة استمرار التعاون بين طهران و موسكو من أجل الوصول إلى تسوية سياسية في سوريا، ومتابعة التصدي للإرهاب.
من جهة أخرى، كان منسق «الهيئة العليا» المعارضة، رياض حجاب، قد شدّد على أن يكون وقف إطلاق النار شاملاً «كل المناطق السورية التي توجد فيها المعارضة المعتدلة دون تمييز أو اقتطاع». وقال أثناء اجتماع في برلين، مع وزيري الخارجية الألماني والفرنسي والمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، إن المحادثات وصلت إلى طريق مسدود، مؤكداً أن «الهيئة» تريد حكومة انتقالية تستثني الرئيس السوري بشار الأسد ومؤيديه، ومبادرة جديدة تضع جدولاً زمنياً واضحاً للانتقال السياسي.
بدوره، قال الوزير الألماني فرانك فالتر شتاينمار، إنّ من الضروري وقف تصعيد العنف في سوريا، مؤكّداً أن لا حل عسكرياً للملف السوري ولا بد من حل سياسي. أما الوزير الفرنسي جان مارك أيرولت، فحمّل حكومة الرئيس السوري بشار الأسد المسؤولية الكاملة عن تقويض الهدنة في حلب، ودعا إلى اجتماع وزاري يوم الاثنين المقبل في فرنسا، يركز على الموضوع. وفي السياق، أعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية، ستيفان لي فل، أنّ الاجتماع سيعقد في باريس بمشاركة وزراء خارجية تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات. وأوضح أنّ قرار عقد الاجتماع جاء على خلفية انتهاك اتفاق وقف الأعمال العدائية، وتعليق محادثات جنيف، مشدداً على أن بلاده ستدعم كافة المبادرات الرامية إلى استئناف المحادثات.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)