رغم النفي غير الرسمي الصادر عن بكركي حول خبر لقاء البطريرك الراعي بالسيد نصرالله، لم يقفل الموضوع ولم تطو صفحة السياق السياسي الداخلي والخارجي الذي وضعته أوساط قريبة من الصرح في إطاره.

فالرواية "المنفية" تقول إن الوقائع بدأت بكلام صادر من بكركي بالذات، مفاده أن شخصاً قريباً من الرابية أو محسوباً عليها، ذهب إلى أحد الأساقفة الموارنة. تداول معه في الأزمة الرئاسية الراهنة، بين تكرار البطريرك مطالبته برئيس جديد للجمهورية من دون تأخير، وبين انسداد كل الآفاق الداخلية والخارجية لذلك. ويتابع الكلام المنسوب إلى بكركي أن القريب من الرابية، بعد جولة أقف شاملة، خلص بأن أسرّ إلى الأسقف المقصود بالرواية: هناك حل واحد ممكن. أن يتبنى طرف ما تسويق فكرة انتخاب رئيس للحمهورية لمدة سنتين أو ثلاث سنوات. على أن يكون ذلك مترافقاً مع اتفاق وطني جامع، حول سلة إصلاحات كاملة. تبدأ بقانون الانتخاب، وبقانون اللامركزية، تتضمن حكماً الانتخابات النيابية وحكومة ما قبلها وما بعدها. وتكمل الرواية ذاتها، أن الأسقف نقل الفكرة إلى البطريرك الراعي، الذي ردّ، تماماً كما جاء رد بكركي بعد تسريب خبر السنتين، أنه إذا كان لهذا الطرح أن يحوز على إجماع المعنيين من الأطراف المتصارعة، فلا مانع لديه.
في مشهد ثان، كانت فكرة الرئاسة المختصرة، قد وصلت بطريقة ما إلى الفرنسيين. لا بل كان أكثر من طرف أوروبي قد سمع بها، وبدأ يتداول في مفهوم "السلة الرئاسية". حتى أن النائب الفرنسي جيرار بابت، المعروف بقربه من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، طرح السؤال مباشرة على ميشال عون: هل سمعت بفكرة انتخاب رئيس للجمهورية لمدة سنتين؟ فجاء جواب عون عن الفساد وبناء الدولة ومخاطر النزوح السوري... ولم يشف غليل الصديق الفرنسي القديم بكلمة واحدة عن سؤاله. علماً أن عون نفسه لا يكتفي بنفي سماعه بقصة السنتين، بل ينفي بشكل حازم كل حرف من الرواية القائلة بأن قريباً منه نقل الفكرة إلى أحد المطارنة الموارنة.
في مشهد ثالث سابق، يروى أن الحوار الفرنسي الإيراني حول لبنان، كان قد انتهى إلى خلاصة واحدة قاطعة: أحكوا مع بيروت. هذا الموضوع ليس من اختصاص طهران. لكن على هامش تلك الخلاصة كان كلام كثير حول المنطقة وتطورات أوضاع بلدانها، من اليمن والعراق إلى سوريا ولبنان. ويروى أن الفرنسيين سمعوا تحليلات إيرانية لا غير، مفادها أن حزب الله لا يناور ولا يساير في موقفه. فهو بات مصمماً على خيار أكيد: أنه يريد إعادة إحياء المضمون الصحيح لوثيقة الوفاق الوطني. أي إعادة نظام الشراكة اللبنانية الفعلية في السلطة والدولة في لبنان. بمعنى أن حزب الله لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يقبل بالعودة إلى "الطائف السوري"، لجهة هيمنة فريق على آخر. وهو لا ينوي ولا يقبل إطلاقاً، استبدال هيمنة بأخرى أو أرجحية فريق بأرجحية فريق آخر. وفي هذا السياق، يؤمن حزب الله أن لهذا المبدأ مدخلاً وحيداً هو إعادة المسيحيين إلى الدولة وشراكتها. وأن لهذا المدخل مفتاحاً وحيداً هو رئاسة ميشال عون للجمهورية.
هكذا فهم الفرنسيون من التحليلات والآراء المتبادلة أن الوضع اللبناني بات أمام اتجاهين اثنين لا ثالث لهما: إما عون رئيساً، وإما استمرار الشغور مع ما قد يحمله من أبواب مشرعة على إعادة النظر في النظام.
في مشهد رابع، يروى أن تلك الخلاصات كانت موضع بحث وتدقيق بين باريس والمجموعة الأوروبية. فبدأت تتخمر أكثر فكرة الولاية المختصرة والسلة الرئاسية. وجرى نوع من توزيع المهام، خصوصاً بين وظيفتين: من يعمل على بلورة مضمون السلة. وبين من يتم تلزيمه دور الوسيط لإنضاج اقتراح السنتين. في المهمة الأولى رسا التلزيم سريعاً على سيغريد كاغ، بالتنسيق مع باريس. وهي بادرت فوراً إلى الاضطلاع بالمهمة. جولات مكوكية بين العواصم المعنية، من طهران إلى موسكو، فضلاً عن مختلف العواصم الغربية. مع حملة "علاقات عامة" في الدخل اللبناني، لا تستثني أي طرف، ولا حتى أي شريحة عمرية أو مجتمعية. لقاءات وحوارات عامة ونقاشات غير مسبوقة عبر التويتر، لتأهيل الشخصية وتحويلها عنصراً مألوفاً في الداخل اللبناني، تمهيداً للطرح المنتظر.
بقيت مهمة وسيط السنتين. الخيارات على هذا الصعيد كانت محدودة. قيل إن فكرة أولى طرحت بتلزيمها إلى وليد جنبلاط. لكن من دون معرفة ما إذا كان الرجل قد فوتح بالأمر أو جس نبضه، بدا أنها أسقطت سريعاً. لم يبق غير بكركي. في 17 نيسان، في قصر الصنوبر، ورغم الخروج الفرنسي عن تقليد زيارة الصرح، قيل إن هولاند فاتح الراعي في الموضوع. وقيل إن رواية لقاء الراعي نصرالله انطلقت من تلك الخلوة التي سبقت لقاء الرئيس الفرنسي بالمسؤولين الدينيين. حتى أن الرواية "المنفية" والمنسوبة دوماً إلى قريبين من بكركي، تقول إنه في 22 نيسان حصل لقاء ما، على مستوى رفيع، كبداية للبحث في مشروع السلة والسنتين.
قد يتكرر النفي وقد تكون المصادر قد أخطأت في بعض التفاصيل. لكنها تجزم بأن الوضع اللبناني بات في وضع مشابه لأواخر الثمانينيات. سيغريد كاغ تبلع دور آبريل غلاسبي في إنضاج سلة اتفاق، وبكركي تلعب دور بكركي في الوساطة. أما قاعدة الحل فصارت سين/ سين لبنانية: سنتان وسلة. فيما الموعد الجدي المقبل لمتابعة المشروع زيارة وزير الخارجية الفرنسية إلى بيروت بعد أيام، حاملاً أول مسودة لرئاسة مختصرة وميني طائف.