بدءاً بحملة «انفر»، مروراً بكلمة أيمن الظواهري «انفروا للشام»، وصولاً إلى كلمة حمزة، نجل أسامة بن لادن، يحشد تنظيم «القاعدة» ويستنهض الهمم ويلم شمل عناصره. يُريد أن يُجري الدم في عروقه المتجمدة. يعيد ترتيب أوراقه الداخلية ليُهيِّئ لانطلاقة جديدة. انطلاقة تجبُّ ما مضى بعد الأزمة التي هددت وجوده، سواء على صعيد التمويل أو الاستقطاب. ولا تزال تُهدّد استمراريته، ولا سيما بعدما سرق تنظيم «الدولة الإسلامية» الأضواء منه، وأخذ معه مصادر التمويل وخفض عديد الملتحقين بـ«القاعدة».

وبما أنّ ركيزة وجود التنظيم تعتمد بشكل أساسي على قوة تنظيم «جبهة النصرة» ــ فرعه السوري على أرض الشام، وهو الفصيل الذي يعتبر الأقوى على الساحة السورية من دون منازع. وإزاء ذلك، تستشعر «القاعدة» خطراً حيال وجود فرعها السوري، ولا سيما دعوات فك الارتباط عن «القاعدة» التي توجهها الفصائل الإسلامية لـ«الجبهة». لذلك اتحد الظواهري وبن لادن مجدداً. وكمن يريد استعادة أمجاد الماضي، وُقِّت التسجيلان خلال ٢٤ ساعة ليصدرا عن شبكة «السحاب»، الذراع الإعلامية للتنظيم، للقول ضمناً بأن التنسيق قائم، ولا تنافس يحكم القيادة. هكذا افتتح الظواهري كلمته قائلاً: «إن الشامَ اليومَ هو أملُ الأمةِ المسلمةِ، لأنه الثورةُ الشعبيةُ الوحيدة من ثوراتِ الربيعِ العربيِ، التي انتهجت الطريقَ الصحيحَ؛ طريقَ الدعوةِ والجهادِ لإقامةِ الشريعةِ وتحكيمِها، والسعيِ لإقامةِ الخلافةِ الراشدةِ لا خلافةِ إبراهيمَ البدريِ، خلافةِ المنهاجِ لا خلافةِ الحجاجِ...». يعلم الظواهري أن الضغوط التي تمارس على قيادات «النصرة» للرضوخ كبيرة. وكذلك هي الإغراءات. لذلك صوّب على السعودية، لاعتباره أنها تلعب دوراً رئيسياً في هذه الضغوط. وبحسب مصادر «القاعدة»، فإنّ قيادات «جيش الإسلام» و«حركة أحرار الشام» هي الأداة الرئيسية للضغط. لذلك قال: «إن واجبَنا اليومَ أن ندافعَ عن الجهادِ في الشامِ ضد المؤامراتِ التي تُحاكُ له، والتي تتولى كبرَها ربيبةُ بريطانيا وتابعةُ أمريكا؛ دولةُ آلِ سعودٍ وذيولُها من دولِ المنطقةِ. وتهدِفُ كلُّ هذه المؤامراتِ إلى إقامة نظامٍ يتمسحُ بالإسلام في الشام، ولكنه يقدمُ إسلاماً مزيفاً يتوافقُ مع العلمانية والدولة الوطنية والنعرة القومية ونظام أكابرِ المجرمين الدولي».

الظواهري يهاجم السعودية ربيبة بريطانيا ونجل بن لادن في خطاب القيادة

لم يكتف بذلك، فاستعان بفلسطين لما تلعبه من عامل جذب لمسلمي العالم قائلاً: «المشكلةُ الكبرى للنظامِ العالمي ومجرميه، ولحكامِنا وأنظمتِهم المرتدةِ، أن مجاهدي الشامِ يقفون على حدودِ فِلسطينَ، ويهددون ما يسمونه إسرائيلَ، الولايةَ الواحدةَ والخمسين لأمريكا، أو أكبرَ قاعدةٍ أمريكيةٍ خارجَ أمريكا». ثم خاطب فصائل الشام قائلاً: «إن مسألةَ الوحدةِ اليومَ هي قضيةُ الحياةِ أو الموتِ لكم، فإما أن تتحدوا لتعيشوا مسلمين كراماً أعزةً، وإما أن تختلفوا وتتفرقوا فتأكلون واحداً واحداً». وعلّق على مسألة فك الارتباط قائلاً: «بقيت مسألة خاض فيها الخائضون كثيراً، في محاولة لصرف أنظار الأمة المسلمة المجاهدة في الشام عن أعدائها الحقيقيين، وهي مسألة ارتباط جبهة النصرة العزيزة ــ التي نعتز بارتباطنا بها ــ بقاعدة الجهاد»، محذراً قيادات «النصرة» بأنّهم إن قبلوا اليوم سيُسجنون ويُذبحون غداً».
وعلى هدي الظواهري، خرج حمزة بن لادن، في تسجيلٍ صوتي عنوانه: «ما القدس إلا عروس مهرها دمُنا». ابن السادسة والعشرين عاماً استعاد خطاب والده، مركِّزاً التصويب باتجاه فلسطين، لما لهذه القضية من تأثير على عموم المسلمين في كل العالم. بدأ بالحديث عن حجم التعاون الاقتصادي بين واشنطن وتل أبيب قائلاً: «لا بد أن يدفع الداعمون لليهود فاتورة الحساب من دمائهم». بدا الشاب في خطابه كمن يُقدّم نفسه قائداً جديداً على ساحة الجهاد العالمي. فدعا «العلماء إلى أن ينفروا للجهاد في سبيل الله، ورجال الأعمال إلى أن يدعموهم بالزكاة، وأهل الخبرة والتخصص إلى أن ينضموا لتشكيل جيش تحرير القدس»، معتبراً أن «معركة تحرير القدس ليست معركة تحرير قرية أو مدينة. وليست معركة تنظيم أو جماعة، إنما معركة الإيمان ضد الكفر». لكنه أضاف، «والطريق لتحرير فلسطين اليوم، هو ميدان الشام…». ولمح إلى سلوك تنظيم «الدولة الإسلامية» من دون أن يُسمّيه، داعياً العلماء إلى تصحيح مفاهيمهم، لاعتبار البعض أن «من دخل التنظيم دخل الإسلام ومن خرج منه خرج من الإسلام... وهذا من أمور الجاهلية، إذ لا يكون الولاء والبراء على حسب الانضمام إلى الجماعة والفصيل، إنما لكل أهل المسلمين ولكل من استقبل القبلة». ثم ختم قائلاً: «إلى إخواننا في فلسطين... إن دماء آبائكم هي دماء آبائنا. ودماؤكم دماؤنا. الدم الدم والهدم الهدم. لن نخذلكم وسنحافظ على الجهاد الذي بدأه قادتنا صافياً نقياً. إن مدد اليمن سيتواصل، ومدد الشام قد اقترب. ومدد خراسان والصومال وشمال أفريقيا ومغرب الإسلام قد اشتد».
وبن لادن الابن نفسه الذي كشفت الوثائق التي نشرتها السلطات الأميركية بأنّ والده كان يحضّره لخلافته في قيادة التنظيم، كاشفة أن «حمزة تدرب على صنع واستخدام المتفجرات، وأبدى منذ صباه الباكر رغبة في الالتحاق بصفوف الجهاديين»، علماً بأنّ حمزة المولود في عام 1991، سبق أن ظهر في مقطع مرئي عام 2005 في صفوف حركة طالبان ضمن مجموعة استهدفت جنوداً باكستانيين في وزيرستان الجنوبية. وقد ذُكر يومها أنه ينشط في صفوف تنظيم «القاعدة» ويتمركز في المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان.