في 22 أيار الجاري تجرى الانتخابات النيابية الفرعية في جزين، لانتخاب خلف للنائب الراحل ميشال الحلو، وسيكتمل بذلك عدد أعضاء المجلس النيابي، ليعود مجدداً 128 نائباً. لكن الأهم أنه بعد أسبوعين تقريباً سيصبح نائب جزين الماروني، أياً كان اسمه، رغم أن الترجيحات تغلب فوز المرشح عن التيار الوطني الحر أمل أبو زيد، نائباً منتخباً من قاعدته ومن أبناء قضاء جزين، في وجه 127 نائباً ممدداً لهم، بمن فيهم رئيس المجلس النيابي الرئيس نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء الرئيس تمام سلام.

ليست هذه المعادلة بسيطة في زمن التمديدات المتلاحقة، وإن كان النواب الممدد لهم مرتين لن يميزوا زميلهم الجديد ويتعاملوا معه على أنه "شرعي" أكثر منهم. لكن في بلد بات يفتقر الى تطبيق الدستور والقوانين بحدها الأدنى، ويصبح الشواذ الدستوري هو القاعدة كما الفراغ الرئاسي والتمديد النيابي والوظيفي، ينظر الى انتخابات جزين على أنها مناسبة لخرق هذا الواقع المهترئ الذي تعيشه المؤسسات الرسمية بشقيها التنفيذي والتشريعي. وهذا الانتخاب يتعدى واقع الحساسيات السياسية والتحالفات المعقودة، ولا يمكن وفق ذلك التقليل من أهمية الاقتراع لنائب جديد، أو التعامل مع واقعة انتخابه على أنها عادية.
وأهمية إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية بعد الجولة الاولى، تتخطى بدورها واقع الظروف الطبيعية التي سمحت بإجرائها، وتتعدى أيضاً الواقع السياسي بعدما قفزت الاعتبارات العائلية والعشائرية فوق كل السقوف المرسومة. فمجرد إجراء الانتخابات فرز تحولاً جديداً يتعلق بوجود رؤساء مجالس بلدية وأعضائها ومخاتير منتخبين من مئات وآلاف الناخبين والمقترعين الذين صوّتوا لهم كممثلين عنهم، في مقابل النواب الممدد لهم الذين شاركوا في تأليف اللوائح البلدية والاختيارية وساهموا اقتراعاً في إيصال المرشحين الى مجالسهم المحلية.
لم تعد قضية الاقتراع وخلفياتها والحروب الدائرة حولها مجرد عملية روتينية. كان يمكن أن تكون كذلك في ظروف سياسية طبيعية، يتم فيها تداول السلطات بطريقة ديموقراطية. لكن ظروف التمديد المنسحب على كل القطاعات السياسية والوظيفية تعيد الى الساحة السياسية نقاشاً قانونياً ودستورياً بعيداً عن الانقسامات السياسية والخلاف الناشب حول قانون الانتخاب، رغم أن ثمة من يعتقد أن النقاش حول هذا الواقع نخبوي، في وقت يجنح فيه الوسط السياسي نحو اليوميات السياسية التقليدية.
ولا يمكن النظر الى العملية الانتخابية مجردة عن فكرة الانتخاب أو التعيين الذي يعود الى مجلس الوزراء مجتمعاً حق اتخاذ قرار به، في غياب رئيس الجمهورية. وبقدر ما يمكن لنائب جزين المقبل أن يفاخر بأنه نائب منتخب، بقدر ما يمكن لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي تنتهي ولايته في آب عام 2017 أن يعتبر نفسه، كموظف من الفئة الاولى وفي أحد أكثر المراكز حساسية وتأثيراً، لا يزال يحظى بشرعية وظيفية بعدما أعيد تعيينه لست سنوات جديدة عام 2011 . وعلى هذا المنوال يمكن أيضاً لرئيس الاركان الجديد في قيادة الجيش الذي سيخلف اللواء وليد سلمان في آب أيضاً، أن يقول الامر نفسه، لأنه سيصبح بدءاً من آب المقبل في هيكلية قيادة الجيش الضابط الاعلى رتبة الذي عيّنه مجلس الوزراء، ولم يمدد له.
في الشكل لن يتبدل حرف واحد في واقع المجالس البلدية ولا في المجلس النيابي الذي سيستمر العمل به حتى العام المقبل، ولا في قيادة الجيش التي يدور حولها كباش سياسي لتعيين خلف لقائد الجيش العماد جان قهوجي. لكن في القانون والعلم الدستوري، بات الحكم في لبنان مؤلفاً من منتخبين في أكبر مدينة وفي أصغر قرية في الاطراف، ومن ممدد لهم، لأن الانتخابات البلدية وفرعية جزين والتعيينات المرتقبة في قيادة الجيش، لم تخرق فقط الرتابة التي خلقتها التمديدات المتلاحقة، والتي شهدنا مثيلاً لها نيابياً وبلدياً منذ عام 1975 حتى عام 1992، بل إنها كرست واقعاً دستورياً وقانونياً لم يعد من الممكن تجاهله أو القفز فوقه إلا لناحية الإمعان في تكريس العبث بالدستور. ومجرد تسيير عجلة التعيينات في مجلس الوزراء وإجراء الانتخابات، سيضع أمام الذين يرعون الاستقرار السياسي في لبنان خريطة طريق جديدة يمكن أن تقرأ لناحية إعادة إطلاق العملية السياسية في لبنان على أسس جديدة. ويضيف كذلك الى أجندة القوى السياسية المحلية مطالب متجددة بضرورة الخروج من الازمة السياسية، وإعادة التركيز على أولويات ترفضها بعض القوى السياسية، أي السير بإقرار قانون الانتخاب وتفعيل عمل الحكومة، من أجل الدفع لإجراء الانتخابات النيابية. لكن ما يحصل هو العكس، إذ بعد التذرع بالظروف الاستثنائية التي تمنع إجراء الانتخابات النيابية، بدأت نغمة سياسية جديدة للتقليل من أهمية إجراء الانتخابات البلدية وحصرها في إطار روتيني لا يرقى الى مرتبة إجراء الانتخابات النيابية والظروف الامنية التي تعيق حصولها وعدم الاتفاق على قانون انتخابي. أما النغمة الثانية للتذرع بعدم إجراء الانتخابات النيابية فهي عدم وجود رئيس للجمهورية، ومحاولة تقديم الاستحقاق الرئاسي كأولوية مطلقة على إقرار قانون الانتخاب وإجراء الانتخابات النيابية، علماً بأن عدم وجود رئيس لم يمنع إجراء تعيينات ولا انتخابات ولا عقد جلسة تشريعية وإن كانت للضرورة. ثمة شروط تعجيزية توضع منذ الآن حول قانون الانتخاب، وشروط تعجيزية أخرى لرئاسة الجمهورية، وفي الحالتين إصرار على إبقاء المجلس النيابي في حالة تمديد.