برازيليا | لم يتأثر القصر الرئاسي بالضوضاء المنبعثة من كل أنحاء برازيليا. فالمقر العالي (وفق الترجمة من اللغة البرتغالية) نأى بنفسه عن الصخب الذي عاشته العاصمة البرازيلية. صمت القصر الرئاسي قابله ازدحام مجلس الشيوخ الذي أوصل الليل بالنهار لينجز مهمة عزل الرئيسة، ديلما روسيف، التي وافق عليها الثلثان وصوت إضافي، ما شكّل رسالة حاسمة للرئيسة العمالية بأن العودة إلى كرسي الرئاسة باتت مستحيلة.

لم تكن روسيف تتوقع نهاية مختلفة، فحسابات شركائها تعارضت مع العقد السياسي المبرم معها، وتركوها تنازع مصيرها وراحوا يقتسمون الغنائم التي كانت رئاسة البرازيل جزءاً منها. وفي مشهدية ما بعد التصويت، بدت لحظة وداع الرئيسة مؤثرة جداً، إذ اختلطت الإرادة بالدموع. هي محطة أرادها العماليون أن تكون رسالة تحدٍّ ومقاومة لما سموه أسوأ انقلاب دستوري تشهده البلاد.
روسيف، التي بدأت حياتها السياسية متنقلة بين السجون وخطوط القتال، بدت مقتنعة بأن النضال فريضة كُتبت عليها، فخرجت من قصرها محاطة بمناصريها، وطالبت بحبس الدموع والتجهيز لخوض المواجهة التي ستعيد الحق إلى أصحابه، ولو بعد حين. وقالت: "أدعو كل البرازيليين المعارضين للانقلاب، من أي حزب كانوا، إلى البقاء في حالة تعبئة وموحدين ومسالمين"، مضيفة أن "الخطر لا يحدق فقط بولايتي، بل أيضاً باحترام أصوات الناخبين وسيادة الشعب البرازيلي والدستور". وكررت روسيف القول إنها ضحية "انقلاب" و"مهزلة قضائية وسياسية"، مستدركة: "ربما ارتكبت أخطاء، لكني لم أقترف أي جريمة".
بالنسبة إلى رئيس الكتلة العمالية في مجلس الشيوخ، روبرتو كوستا، فإن المشاركة في جلسة التصويت كانت أقرب إلى رسالة سياسية موجهة للرأي العام، حيث إن قرار المعارضة كان حاسماً لناحية تطويق أي محاولة للتأجيل، وهو الأمر الذي أكده رئيس مجلس الشيوخ، رينان كاليروس، حين قال للإعلاميين إن القضية ستُحسم، ولو اضطر إلى فتح الجلسة أياماً عدة من دون توقف.

بدا "العماليون" منهكين، لكنهم اختاروا هدنة تخدم مصلحة البلاد

وفي حديث إلى "الأخبار"، قال كوستا إن "المعارضة لم تأخذ في حساباتها تاريخ روسيف النضالي، ولا سيرتها المشهود لها بالنزاهة؛ وحين عجزت عن إيجاد قرائن حقيقية لاتهامها بالفساد، ذهبت إلى نظرية هجينة أطلقت عليها تسمية تحوير صرف الميزانية، وهي تهمة لا تحمل في الأساس أي بعد جرمي يستدعي إقالة رئيس من منصبه". وتتهم المعارضة اليمينية روسيف بارتكاب "جريمة مسؤولية" من خلال التلاعب عمداً بمالية الدولة لإخفاء حجم العجز عام 2014، عندما أُعيد انتخابها في اقتراع موضع جدل، وأيضاً عام 2015.
اللافت في جلسة التصويت التي امتدت لأكثر من عشرين ساعة كان الأسلوب المتناقض للمعارضة، التي عمدت إلى التهدئة في التصريحات الإعلامية والهجوم العنيف في الخطابات داخل الجلسة، ما فسّره المتابعون على أنه رغبة في كسب هذه المعركة من دون استفزاز أنصار "حزب العمال"، وبالتالي تلافي ما يعرقل تسلّم السلطة بعد ساعات فقط من خروج روسيف إلى قصر ألفورادا، وهو المقر المؤقت إلى حين محاكمتها النهائية (قبل مهلة 180 يوماً).
في الحسابات السياسية، استطاعت المعارضة إطاحة حكم العماليين في لحظة سياسية مؤاتية، أي حين كانت حكومة روسيف تعاني من الانقسام والارتباك، ما فاقم الأزمة الاقتصادية وجعلها سبباً إضافياً لإقناع جزء كبير من الرأي العام بضرورة التغيير، بعدما أُلقيت المسؤوليات حصراً على روسيف وحزبها. واستطاع حلفاء الرئيسة القفز إلى بر الأمان عبر صفقة سهلت إسقاط الحكومة العمالية، وأعطتهم حصة وازنة في الحكومة العتيدة. واعتبر السيناتور المعارض، خوسيه سيرا، أن "الإقالة علاج مرّ، لكن لا بد منه". أما إيسيو نيفيس، أحد زعماء المعارضة والمرشح الذي لم يحالفه الحظ في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2014، فقال إن تصويت الثلثين في مجلس الشيوخ "إشارة إيجابية للحكومة الجديدة التي تتولى مهماتها، على أمل ألا تكون حكومة مؤقتة".
"حزب العمال" بدا منهكاً، بعد المقاومة الشرسة التي خاضها للحيلولة دون نجاح "الانقلاب"، لكنه آثر التعامل خلافاً للتوقعات. فالحزب بدا مقتنعاً بمسؤوليته عن تحالفاته وسياساته، وبأن التصعيد لن يصب في مصلحته، وخصوصاً أن التغيير بدا مطلباً شعبياً واسعاً نتيجة الجمود الاقتصادي وانهيار سعر صرف العملة المحلية. هذه القراءة النقدية التي كشف عنها مصدر عمالي لـ"الأخبار" جاءت بعد مداولات عديدة أجراها الرئيس الأسبق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي كان له الرأي الراحج حين روّج لنظرية التهدئة وعدم استنساخ تجربة فنزويلا، التي قد تصوّر اليسار كتيار أفقر شعبه وحرمه من التنمية والتطور.
أمام هذه الحسابات، قال المسؤول العمالي إن "قرار القيادة كان الانتقال إلى المعارضة لالتقاط الأنفاس وقذف كرة النار المتمثلة بالأزمة الاقتصادية إلى أحضان خصومهم، والتفرغ لرسم خريطة التحالفات الجديدة التي ستهيئ للانتخابات المقبلة التي سيخوضها دا سيلفا".
وأكد المصدر العمالي لـ"الأخبار" أن تهدئة العمال لم تُلغِ الموقف المبدئي من "الانقلاب"، وأن الانتقال إلى صفوف المعارضة لا يعني بالضرورة الاعتراف بحكومة ميشال تامر، التي جرى تشكيلها حتى قبل إعلان النتيجة النهائية للتصويت. وبالتالي، فإن الهدنة السياسية تطاول حصراً الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، "وليس مد اليد إلى من خان شركاءه وتخلى عن كل تعهداته".




ميشال تامر: «لاعب الكواليس» رئيساً

نائب الرئيس البرازيلي، ميشال تامر (75 عاماً)، الذي أصبح أمس رئيساً مؤقتاً للبلاد، تطارده دعاوى فساد كبيرة، ومن المحتمل أن يخضع للتحقيق القضائي في ما بات يُعرف بـ«فضيحة بتروبراس»، أو قضية اختلاس الأموال من الشركة البرازيلية العامة للنفط.
ورغم نفي تامر لتورطه في أي جرم في تلك القضية، تظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من نصف البرازيليين يرون أنه يجب أن يُعزل من منصبه. ولكن لـ«رجال الأعمال» رأي آخر؛ فهؤلاء يعولون على تامر لأنه يعارض الكثير من السياسات الشعبية التي انتهجها «حزب العمال» لأكثر من عقد من الزمن، بما في ذلك تقليص الإنفاق الاجتماعي، وتعديل قانون العمل، وفرض ضرائب غير شعبية.
ويبدو أنّ تامر أنهى تشكيل حكومته أمس. ووفق «فرانس برس»، فقد عيّن الحاكم السابق للمصرف المركزي، انريكي ميرييس، وزيراً للمالية، والحاكم السابق لولاية ساو باولو، خوسيه سيرا، وزيراً للخارجية.
المحامي الدستوري الذي دخل السياسة في ثمانينيات القرن الماضي، واشتهر بكونه لاعباً سياسياً «في الكواليس»، أصبح زعيماً لحزب «الحركة الديموقراطية البرازيلية»، وتولى منصب رئيس البرلمان ثلاث مرات، قبل أن يُعيَّن نائباً للرئيسة ديلما روسيف عام 2011.