في حفل تكريم حاشد أقيم للدكتور محمد المجذوب قبل عقد ونيّف في قاعة الاحتفالات الكبرى في الأونيسكو، التي غصّت بالحضور، ولا سيما من متخرجي الحقوق، قضاة، وموظفين كباراً ومحامين، وقف الوزير السابق ميشيل إده محيِّياً الدكتور مجذوب بالقول: «لا أنسى أننا خرجنا مرة من اجتماع مشترك حضره المجذوب كرئيس للجامعة اللبنانية يومها وحضرته كوزير للتعليم العالي، فوجئت بالمجذوب ينتظر أمام المبنى، فسألته: هل تنتظر سيارتك يا دكتور؟ ضحك المجذوب وقال: بل انتظر السرفيس فليس عندي سيارة».

يقول اده إنّه صعق من هول المفاجأة، «إذ هل يعقل أن يكون لدى العديد من اللبنانيين أكثر من سيارة ورئيس الجامعة الوطنية الوحيدة في البلاد لا يملك سيارة؟».
هذه واحدة من قصص يرويها كثر من أصدقاء الرجل العلامة الذي اجتمعت عنده الوداعة مع الصلابة، التواضع مع الثقة بالنفس، الإنتاج مع الالتزام، الطيبة مع العزيمة، الهدوء العميق مع الغضب المتأجج على الواقع المتردي، حيوية الشباب مع حكمة الشيوخ، الأصالة مع الحداثة اللبنانية مع العروبة... والإيمان مع العلم.

عناصر المشروع النهضوي العربي هي حاجات عميقة لإنقاذ مجتمعاتنا

بل تكتسب قصة الوزير إده مع الراحل المجذوب معانيها حين ندرك أن هذا الرجل الذي حرم نفسه وعائلته سيارةً يستخدمونها، كان ينفق من جيبه الخاص مساعدات لبعض طلابه المحتاجين، كما روى لي أحدهم وهو يعزيني بهذا الرجل الكبير.
حين نال الدكتور محمد المجذوب شهادة الدكتوراه في الحقوق بامتياز وتفوق من جامعة فرنسية في مرسيليا، ونال معها أيضاً دبلوماً في الدراسات العليا في العلوم السياسية، عاد إلى صيدا في الخمسينيات من القرن الماضي، مسقط رأسه، وهو مسكون بأحلام التغيير وبروح الثورة الناصرية وحركة التحرر العربي، ليلتحق بشارع صيدا الوطني الملتهب ضد الأحلاف والمشاريع الاستعمارية، ويسهم في خوض معارك الشهيد الزعيم معروف سعد الوطنية والقومية والانتخابية، وليكون جزءاً من انتصارات الرجل الذي ارتبط اسمه بجمال عبد الناصر وفقراء صيدا وكادحيها، وفي المقدمة منهم صيادو الأسماك، وقد استُشهد وهو يقود إحدى تظاهراتهم ضد الاحتكار عام 1975.
يروي المجذوب أنه حين كان يدرس في فرنسا في خمسينيات القرن الماضي، كان منخرطاً إلى حد كبير مع زملائه طلبة بلدان المغرب العربي في نضالهم ضد الاستعمار الفرنسي، إلى درجة أن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، وفي مراحل كفاحه الوطني، وفيما كان يزور طلبة بلاده في مدينة مرسيليا اضطر إلى المبيت هناك ووجد نفسه في شقة متواضعة كان يتقاسمها الطالب اللبناني محمد المجذوب مع زميل تونسي، وقد أمضى «المجاهد الأكبر»، كما كان بورقيبة يسمي نفسه، ساعات طويلة من الليل متحدثاً مع الشاب اللبناني النابه والمثقف والمتحمس لقضايا أمته العربية.
وحين زار المجذوب بورقيبة في عداد وفد من الحقوقيين العرب الذين كان نائباً لأمينه العام الوزير العراقي السابق شبيب المالكي، وعرّف عن نفسه كلبناني، فاجأه بورقيبة بالسؤال: ألست أنت الطالب اللبناني الذي استضافني لليلة واحدة في شقته قبل أكثر من ثلاثين عاماً؟ ذهل المجذوب من قوة ذاكرة الرئيس التونسي، لكن بورقيبة بادره بالقول: لا يمكن أن أنسى تلك الليلة التي تعرفت خلالها إلى واحد من أكثر شباب العرب وطنية وثقافة وذكاء.
في المغرب كانت له حظوة عند العديد من شباب ذلك البلد العربي البعيد الذي توجه إليه في أوائل الستينيات من القرن الفائت ليدرس في جامعة الملك محمد الخامس بعد أن سدت بوجهه سبل التعليم في لبنان بسبب «عروبته» الصارخة ومواقفه التي أودت به إلى السجن بعد كتاب له عن الديموقراطية والعروبة في لبنان في أواخر عهد الرئيس الراحل كميل شمعون.
وحين تسأل رئيس المنتدى القومي العربي عن قصة سجنه ذاك يحمرّ وجهه خجلاً، فهو لا يحب الاستعراض و»المنفخة»، وادعاء البطولات، بل يعتقد أنه يقوم بواجبه فقط...
الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق لحظة واحدة هي تعبير عن سلام داخلي يسكن الرجل الذي أعطى من علمه وعمره ونضاله دون حساب أو منّة، وهو سلام يجتمع على تحقيقه ثقة بالنفس مهما واجهت من صعوبات وثقة بالأمة مهما واجهها واقع التردي والتشظي، فتراه في حديثه عن العروبة والتحرر، عن القومية العربية والتقدم، وكأنه طالب ثانوي في حماسته المتدفقة، وفي الوقت ذاته شيخ عميق في حكمته وبعد نظره.
سألني صديق كان يعزيني برحيل أستاذي الدكتور المجذوب، وبالصديق الكبير الدكتور كلوفيس مقصود: هل سيبقى للحركة الحقوقية العربية من أثر بعد رحيل هذا الجيل من حملة الرسالة في العقود السابقة؟
جوابي للصديق كان كلمات طالما رددها الدكتور المجذوب وهو يرعى أنشطة للشباب اللبناني (شباب لبنان الواحد) والعربي (الشباب القومي العربي، وشباب التواصل الفكري)... ما دام هناك شباب يحملون راية التغيير والعروبة والتقدم، فأمتنا لن تموت أبداً... وها هم شباب الانتفاضة في فلسطين يثبتون بالطعن والدهس والحجارة أن في هذه الأمة قوة لا تندثر، بل إن الوحدة العربية وتحرير فلسطين وكل عناصر المشروع النهضوي العربي ليست دعوات إيديولوجية، بل هي حاجات عميقة لإنقاذ مجتمعاتنا...
إلى المجذوب، ورفيق مرحلته كلوفيس مقصود، تحية من الأعماق لرجال أعطوا وما بخلوا، صمدوا وما لانوا، كافحوا وما تعبوا.