طهران | أربعة أشهر مضت على دخول الاتفاق النووي حيّز التنفيذ. للوهلة الأولى، اعتقد الكثيرون أن المشاكل بين إيران والولايات المتحدة تتجه إلى الحل، وأن الملف النووي سيشكل قاعدة لاتفاقيات بشأن ملفات إقليمية ودولية. وفي خضم هذا التفاؤل الذي أبداه البعض في الداخل الإيراني وخارجه، كان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي يحذر من الإفراط بالتفاؤل، ويؤكد أن القضية النووية هي حجة لمحاصرة إيران، وأن الحوار مع واشنطن محصور فقط في هذا الملف، ولن يتعداه إلى أي من الملفات، ما لم تثبت واشنطن حسن نياتها تجاه إيران.

رُفعت العقوبات على الورق، وبقي الخلاف على أرض الواقع؛ مليارات الدولارات لا تستطيع إيران الاستفادة منها، حتى وصل الأمر بكبيرة المفاوضين النوويين الأميركيين، وندي شيرمان، إلى التصريح بأن الأموال في الخارج حاجة إيرانية، وبعضها لتسهيل العمليات التجارية الخارجية لإيران، ولا مصلحة لطهران بإدخالها إلى البلاد.
مليارا دولار صادرتها المحكمة الأميركية لمصلحة «ضحايا هجمات إرهابية»، تتهم إيران بالضلوع فيها، من تفجير المارينز في بيروت عام 1983 إلى تفجيرات الحادي عشر من أيلول، وصولاً إلى القتلى العسكريين للاحتلال الأميركي خلال غزو العراق، وغيرها من الحوادث التي تتهم، دائماً، طهران بالوقوف خلفها أو دعمها.

تسعى طهران إلى رفع دعوى قضائية في المحكمة الدولية ضد واشنطن

ولكن من الناحية الإيرانية، فإن التصعيد الكلامي وإدانة الخطوة الأميركية لن يجديا نفعاً، فالتحرك الداخلي باتجاه خطوات عملية، بدأ برسالة من مجلس الشورى الإسلامي إلى الرئيس حسن روحاني، يطالب بضرورة وضع جدول زمني أمام الجانب الغربي والأميركي لتنفيذ تعهداتهما برفع العقوبات، خصوصاً المالية، وعدم ممارسة ضغوط على المصارف الأجنبية لمنعها من التعامل مع إيران. بالتالي، فإن وضع جدول زمني يعني أن طهران قد تعود إلى ما قبل 2013، وتستأنف أنشطتها النووية قبل اتفاق لوزان. تبعت هذه الخطوة تحركات في الحكومة، بمشاركة البرلمان، تهدف إلى رفع دعوى قضائية في المحكمة الدولية في لاهاي ضد الولايات المتحدة، بجرم «القرصنة» المالية، وهي خطوة رمزية قد لا تصل إلى أي نتيجة بفعل الهيمنة الأميركية على القضاء الدولي.
ولكن مشروع القانون الجديد، الذي أُقرّ في البرلمان، يغرّم الولايات المتحدة دفع تعويضات مالية عن كافة الأضرار التي ألحقتها بإيران، إبان الثورة وقبلها وصولاً إلى عام 1953، أي إلى المشاركة الأميركية في إسقاط حكومة محمد مصدق، والانقلاب الذي نُفذ حينها بمشاركة أميركية، وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم. ويشمل مشروع القرار التعويضات على أضرار سببها الدعم الأميركي للعراق في الحرب ضد إيران وسقوط مئات آلاف الضحايا، والمساعدة في التخطيط لانقلاب عسكري على الإمام الخميني في نوجا، وإسقاط طائرة الركاب الإيرانيين فوق مياه الخليج. قائمة طويلة تنتهي بالضرر الحاصل من عمليات التجسّس والاغتيالات لعلماء إيران النووين، أو التفجيرات الإرهابية التي نفذتها مجموعات معارضة في البلاد.
قد لا يُلزم مشروع القانون الجديد واشنطن بدفع المبالغ المطلوبة كتعويضات، وقد تستغرق المحكمة عشرات السنوات من دون الوصول إلى نتيجة، إلا أن المغزى من وراء هذا القانون هو القول إن إيران لا ولن تنسى التاريخ الأميركي، الذي عمل لأكثر من ستة عقود، على ضرب البلاد ومصالحها وأمنها، وأن إيران التي جلست مع «الشيطان الأكبر» في القضية النووية، لم تغيّر نظرتها إليه، بل أرادت أن تسترد حقوقها بالحوار والتفاوض. التجربة حتى اليوم كانت فاشلة، فلا إيران تثق بأميركا، مع وجود البعض في الداخل ممن يعتقدون بضرورة التقرّب منها، ولا أميركا وقّعت الاتفاق النووي كرمى لعيون الإيرانيين.
يستعد العدوان اللدودان لجولة جديدة من الصدام، فالداخل الإيراني بدأ يشعر بأن الاتفاق النووي حقق المطلوب على الورق، من دون أن يتلمس جدياً نتائج هذا الاتفاق، سوى الوفود التجارية التي تؤم طهران لحجز مكان لها، في حال إفراج واشنطن عن الحركة المالية من إيران وإليها، فيما لا يزال ظلّ العقوبات قابعاً على التعامل الدولي مع الجمهورية الإسلامية. وهذه الأخيرة خصصت هذا العام، أيضاً، «للاقتصاد المقاوم» أي إن طهران تدرك جيداً أن لا انفراجات كبيرة بعد الاتفاق النووي، الأمر الذي يضع علامة سؤال كبيرة: إلى متى سيصمد الاتفاق النووي؟