لم يكن حديث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، المفاجئ لكثيرين، يوم أمس، عن «السلام الدافئ» مع إسرائيل وإعادة إحياء مسار المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين مجدداً، بالنسبة إلى متابعي هذا الملف، سوى جزء من خطة إعادة إحياء المبادرة العربية التي أطلقها الملك السعودي الراحل، عبد الله، خلال القمة العربية في بيروت عام 2002 لإقرار «اتفاقية سلام شاملة تجمع الدول العربية وإسرائيل».

وبرغم حديث الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، أخيراً، عن «صعوبة حل الدولتين واستئناف المفاوضات» حالياً، إلا أنّ لدى السيسي رأياً آخر. فالرجل منح السعودية حدوداً حيوية مع إسرائيل بتنازله عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، ثم كشفت مصادر مقربة منه، لـ«الأخبار»، أن السبب وراء ذلك هو رغبته في «توسيع كامب ديفيد» (راجع العدد ٢٨٦٥ في ١٨ نيسان).
والآن، صار السيسي يرى أن هناك «فرصة عظيمة لمستقبل وحياة أفضل واستقرار أكبر وتعاون حقيقي»، مطالباً ببثّ كلمته التي ألقاها في مدينة أسيوط في الصعيد على شاشات التلفزيون الإسرائيلي، مع أن المناسبة التي ظهر خلالها كانت ضمن افتتاح «المشاريع القومية» ولم يعلن مسبقاً أي مناسبة أو سياق للحديث عن «عملية السلام»، في ظل حديث خاص يرد إلينا عن تجديد النية لزيارة رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، القاهرة.
لهذا السبب، دعا الرئيس المصري، الذي لا يزال نظامه يشدد الخناق على قطاع غزة ولا يفتح معبره الوحيد إلا يومين كل ثلاثة أشهر، الفصائل الفلسطينية، إلى إنهاء خلافاتها (الداخلية)، مع استعداد مصر للتدخل من أجل اغتنام الفرصة، وهو ما يزيد مطلباً آخر على قائمة الاشتراطات المصرية، خاصة بالنسبة إلى القطاع الذي يتكثف فيه سلاح المقاومة.

اجتماع طارئ اليوم بين الرئيس المصري ووزير الخارجية الأميركي

في المقابل، وجه دعوة أخرى إلى قيادات الأحزاب الإسرائيلية للتوافق على تحقيق «حل الدولتين، الذي سيقابله الخير للأجيال القادمة، وسيدخل مرحلة جديدة قد لا يصدقها أحد»، مشيراً إلى أن القيود التي فرضت على الوجود العسكري في المنطقتين (ب) و(ج) في «كامب ديفيد» انتهت مع انتشار القوات المصرية في تلك المناطق «لمكافحة الإرهاب نتيجة الثقة والاطمئنان بين الجانبين».
الرجل المطمئن إلى الإسناد الخليجي في المنطقة، أكد أن القاهرة «مستعدة للعب دور الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خاصة أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية مهدت للسلام الحقيقي المستمر... وستكون العلاقات أكثر دفئاً إذا حقق للفلسطينيين أملهم في إقامة دولة مستقلة، وأن يعيش الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي في أمن واستقرار، ما سيقضي على الإحباط»، متجاهلاً بذلك التصريحات الإسرائيلية الأخيرة عن خضوع الجولان لتل أبيب إلى ما لا ينتهي من الزمن، واجتماع الحكومة الإسرائيلية في الأراضي السورية المحتلة، التي لها من التاريخ مع مصر مثل ما لفلسطين.
واللافت أن تصريحات «الجنرال» جاءت بالتزامن مع تحركات سعودية ــ أميركية للتنسيق من أجل أعادة استئناف المفاوضات مع توافق مصري ــ سعودي على مستوى المخابرات ووزراء الخارجية، ستتوج بمباحثات الاجتماع غير العادي لوزراء الخارجية العرب المقرر في الثامن عشر من الشهر الجاري في مقر الجامعة العربية لبحث عملية التسوية، وذلك برئاسة البحرين وبحضور رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس. كذلك سيناقش السيسي، اليوم، خلال لقاء طارئ مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري آخر تطورات هذه المباحثات، بالإضافة إلى الملف السوري.
وبرغم غياب الرياض عن المشهد علناً حتى الآن، فإن مصادر سياسية رفيعة، تحدثت إلى «الأخبار»، عن دعم سعودي واسع لخطوات السيسي، مشيرة إلى أن المملكة ترغب في أن تكون جميع المباحثات في القاهرة حصراً، سواء الفلسطينية الداخلية، أو الفلسطينية ــ الإسرائيلية. كذلك تأتي تحركات السيسي مع ارتفاع مستوى التنسيق الأمني والسياسي بين المسؤولين المصريين ونظرائهم الإسرائيليين طوال الشهور الماضية، وسط ترقب لمباحثات ثنائية بين تل أبيب والقاهرة قريباً، وهو كله تطور كبير للعلاقات الثنائية منذ عهد حسني مبارك.
في النهاية، يبدو أن لدى الجنرال رؤية خاصة به أو شاركه السعوديون في صياغتها، وذلك لتطبيقها في العلاقات الإسرائيلية ــ العربية. وحديثه عن توسيع «كامب ديفيد» خلال اجتماعات الأمم المتحدة في أيلول الماضي صار أقرب إلى التطبيق استناداً إلى تصريحاته المباشرة الآن. لكن هل ينجح في التفاهم مع بنيامين نتنياهو والقيادات الإسرائيلية اليمينية التي تزداد تطرفاً كلما تنازل العرب، وهي مستعدة لارتكاب الجرائم دون أن تنظر إلى أي اتفاق سلام على أنه مانع ورادع؟