لم تفلح حرارة الطقس المرتفعة يوم الانتخابات البلدية في جبل لبنان (15 أيار)، في إخماد حركتها الصاخبة. تضيّع جوزفين زغيب، فتراها برفقة مجموعة من الناخبين تحدّثهم عن شبكة الصرف الصحيّ غير المنفّذة في مشاريع فقرا، ما لوّث المياه الجوفيّة. تضيع مجدّداً، فتجدها برفقة أحد الصحافيين تجري مقابلة وتدلّ على بقعة مُغتصبة جوّفت الجبل وشوّهته، ما هي إلا المحافر المحميّة سياسياً. لكنها، مع إغلاق صناديق الاقتراع في بلدتها كفردبيان، هدأت وجلست في ماكينة متواضعة في انتظار النتيجة التي صدرت في ساعات فجر الاثنين الأولى، معلنة فوزها مع عشرة أعضاء من لائحتها «كفردبيان عيلتنا» برئاسة بسّام سلامة، واختراق 4 أعضاء من لائحة «كفردبيان بلدتي» المواجهة.

خاضت زغيب المعركة البلديّة للمرّة الأولى عام 2010، على لائحة ترأسها سلامة أيضاً، وكانت من ضمن الأعضاء الخمسة الذين خرقوا لائحة الرئيس السابق جان عقيقي وشكّلوا نواة المعارضة داخل المجلس البلدي. هناك كانت الفظائع: «ابتزازات وفساد. غياب للشفافية والرقابة والمساءلة. رفعنا 5 دعاوى قضائيّة بتهمة الفساد وهدر المال العام، أحيلت واحدة على التفتيش المالي وأخرى على التفتيش المركزي. كشفنا عمليّة تغيير تصنيف المناطق مرّتين دون علم المجلس، ما رفع سعر الأرض من 100 إلى 500$. هذا غيض من فيض ما عايشته خلال تجربتي الأولى».

خلال ست سنوات، استبعدت زغيب عن أي لجنة بلديّة رغم تخصّصها في مجال التنميّة المحليّة والاجتماعيّة في لندن، ولم يتبنَّ المجلس البلدي أياً من مشاريعها. لكنّها لم تفقد الأمل. خاضت المعركة مجدّداً، ودخلت المجلس مع أكثريّة حاسمة. «لن نستسلم، وسندعو كلّ أعضاء المجلس الجديد للمشاركة في ويك أند لرسم رؤية العمل للسنوات الست المقبلة. هدفنا خلق تغيير ومحاربة الفساد، وإرساء نهج جديد في البلديّة قائم على الشفافيّة. وسنكمل».

نجاح زغيب عام 2010، سببه الأوّل التحرّك الذي خاضته لمنع بناء مشاريع على جسر الحجر الأثري عام 2008. أمّا تحرّكاتها مع المجتمع المدني منذ عام 2011 لإسقاط النظام الطائفي، فزكّى التجديد لها في الانتخابات الراهنة. هي «النائبة» التي فازت بالتزكيّة عام 2013 قبل أن يسلبها قانون التمديد حقّها بالوجود في البرلمان.

تنشط جوزفين زغيب اجتماعياً منذ 15 عاماً، تركت اختصاصها في العلاج الفيزيائي لتتفرّغ للخدمة الاجتماعيّة. من يحبّها يثنِ على نشاطها اللافت، ومن لا يحبّها يصفها بـ»المتفلسفة»، لكنها واثقة من نفسها: «الأكثريّة جدّدت لي، ولولا ثقة أهالي بلدتي بي لما أعادوا انتخابي».

هي عونيّة الهوى. هوى عفا عنه نهج عشر سنوات مخيّب لآمال التغيير: «لا شكّ أن التيار مختلف عن غيره من الأحزاب، ولكنّه ارتكب الكثير من الأخطاء. لجأت إلى نوابنا مرّات عدّة لتنفيذ مشاريع بيئيّة، لكن شيئاً منها لم يتحقّق». منذ ثلاث سنوات، وَصلها تهديد من «رئاسة الجمهوريّة»، بعد أن خضّت الإعلام بخبر انفجار الجبل في فقرا نتيجة عمل المحافر التي سهّلتها ورخّصتها لفترة من الزمن لودي صفير، شقيقة رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان. التهديد والحماية السياسيّة التي توافرت على مدار عقود لأصحاب المحافر لم يُخيفاها ولم يردعاها عن المطالبة بالقضاء على هذه الظاهرة التي قضت على البيئة الجرديّة، وشوّهت معالمها «نحن مستمرّون. رأسمال كفردبيان بيئتها. لن نكلّ قبل إرساء مبدأ الشفافيّة في البلديّة. لن تكون هناك عقود بالتراضي بعد اليوم. وستعرض الموازنة أونلاين، وكذلك القرارات المتخذة».

لا تختلف زغيب عن غيرها من المرشحين الذين حملوا لواء حركة «مواطنون ومواطنات في دولة». لا مكان لديهم للبرستيج. يتحدّثون عن ضرورة ضرب نظام متهاوٍ. حققوا خروقات في مناطق شتّى، من دون أن تعنيهم حسابات الربح والخسارة. كل ما يهمهم «إزعاج» القوى الحاكمة، «على أمل التغيير» يوماً ما.