جميلة هي بلدة أنسي الحاج. قيتولي في قضاء جزين التي تحيط بها أشجار الصنوبر، مثل العديد من بلدات القضاء، شلحت عليها عباءة الإنتخابات في هذا اليوم. طريقها الضيقة التي تصل إلى «الساحة»، بالقرب من كنيسة مار ميخائيل، ضاقت أكثر بسبب كثرة الوافدين إليها للإقتراع. بيوت قديمة وشبابيك حمر، ترسم لوحة قروية فاتنة. العديد من المنازل حافظت على أقبيتها الحجرية. هنا تتنافس لائحتان. الأولى هي «قيتولي بتجمعنا» التي يرأسها جوزف السروع.


أما الثانية، فهي «قيتولي بالقلب» التي سيتناوب على رئاستها كلّ من الدكتور أنطوان الحاج والأستاذ الجامعي أنطوان المسنّ. لافتة «مركز الإقتراع قيتولي بالقلب» عُلقت على درج منزل الكاهن من آل الحاج. ابنه بولس هو أحد داعمي هذه اللائحة، يُعرف عن نفسه بأنه سياسيا ينتمي إلى حزب الكتائب «ولكن الإنتخابات في قيتولي عائلية». الرجل المعروف بـ«الأبونا» يرتدي قميصا باللون الفستقي. يخبر كيف أن جدّهم من آل الحاج «اشترى القرية من الشيعة والدروز.

يسأل شباب من حركة أمل في كفرحونة حزب الله: «ليش طلع منا؟»


عددياً نحن أكبر عائلة ولكن القسم الأكبر منا يعيش إما في بيروت أو في المهجر». يُقاطعه أحد الشباب: «بدنا صناديق ميّ». الصناديق نفدت قبل منتصف النهار، «بعطيكم قناني»، يرد بولس. يُعدّل من جلسته قبل أن يعود إلى الكلام عن المفاوضات التي سبقت تأليف اللائحتين. يقول إنّ أبناء البلدة «حاولوا تحويل المعركة من عائلية إلى سياسية من أجل تخفيف الإحتقان العائلي. ما مشي الحال». يُوحي بولس بأن التيار الوطني الحر نصب خيمة له قرب كنيسة مار مخايل «وتبادل مناصروه القبعات الحزبية مع القوات اللبنانية من أجل حثّ الناخبين على الإقتراع لمرشح التيار أمل أبو زيد. ولكن هنا الغلبة لعازار». هذا الكلام، ينفيه آخرون من البلدة التي يتألف مجلسها البلدي من 15 عضواً ولا يتعدّى عدد سكانها الـ100 شتاءً. يؤكد هؤلاء أنّ «الفوز هنا محسوم للنائب ميشال عون». يجلسون في منزلهم يُحضرون اللوائح التي سينتخبونها. ولأن المعركة عائلية، التشطيب هو سيّد الموقف. معظم أبناء قيتولي لا يملكون منازل فيها. بعد الإنتخاب «سنعود إلى بيروت قبل ما تبلش عجقة السير».

جارة قيتولي، هي بلدة المكنونية. هذه هي «بلاد العماد ميشال عون». تُخبر إحدى النسوة مُتباهية بأن «جذوره تعود إلى هذه البلدة. ولكن بعد وفاة جدّه بسبب أحداث الـ1860، خافت جدتّه فحملت أبناءها وهربت إلى حارة حريك». الأعلام والشالات البرتقالية تنتشر هنا. تأكيد أنّ أهلها على الوعد باقون، حتى ولو انتقل «سجلّ نفوس» عون إلى منطقة أخرى ومثّل نيابيا قضاءً آخر.

في قضاء جزين 37 بلدية، شهدت 32 منها انتخابات بعدما فازت 5 بلديات بالتزكية. ويبلغ عدد الناخبين 58349 ناخباً. أهم بلديات القضاء: جزين (18 عضوا)، بكاسين (15)، العيشية (15)، قيتولي (15) وكفرحونة (15). هذه الأخيرة تقع جغرافياً ضمن نطاق ما يُعرف بجبل الريحان الذي يضم 10 بلدات مختلطة طائفياً.

«الموزاييك» الوحيد هو في بلدة كفرحونة، كما يقول طارق أحمد محسن المرشح على لائحة «الوفاء لكفرحونة»، المدعومة من حزب الله وعدد من العائلات والمرشح النيابي عصام حداد. قبل مركز الإقتراع، نصبت هذه اللائحة خيمة، تولّى أحد الأولاد داخلها مهمة قصقصة اللوائح الإنتخابية. ولمن لا يلتزم باللائحة، أسماء المرشحين عُلقت على لافتة كبيرة.

مدخل البلدة «زُين» بأعلام حركة أمل التي تنتشر أيضاً في الأحياء، إضافة إلى صور الإمام المُغيب موسى الصدر مع عبارة: «سنحفظ المقاومة ونصونها بقوة إيماننا ودمائنا وأفكارنا». الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله يحضر أيضاً. يؤكدون له أنهم باقون معه «على الجبهات وفي الساحات ومراكز الإقتراع». بالنسبة لمحسن «هذا ليس دليل ضعف ولكن من أجل ألا نخدش الحياء». يرفض أن يقول إنهم أقل عددياً «ولكن الفريق الآخر مرّت 16 سنة دون أن يربح في البلدية. ما بقي حدا ما اتدخل وما تلفن من برا. على كلّ النتيجة تصدر عند السابعة والنصف وعندها نرى». هو يحصر المعركة بأنها «إنمائية ذات طابع سياسي. فشل التوافق مع التيار بسبب مسؤولهم أسعد الهندي. ما بينشغل معو. ونحن ورئيس اللائحة سامي عيسى حلفاء منذ 16 سنة». اللائحة الثانية هي «التنمية والإصلاح» المدعومة من التيار وحركة أمل والقوات اللبنانية. «عملنا شي أقوى من لقاء معراب»، يقول مسؤول التيار في البلدة جريس مزهر ساخراً. يُخبر أنّ «المصالح الحزبية فرضت هذا التحالف مع حركة أمل الذي يُعد الوحيد بيننا وبينهم في قضاء جزين. في الأصل يجب أن نتحالف مع حزب الله ولكن الحركة غير راضية على عصام حداد ونحن متحالفون مع القوات، فصارت القصة هيك». شباب حركة أمل الذين ينتشرون في القرية، استفزهم تصرّف حليفهم المقاوم. «عنا سؤال، ليش طلع منا؟»، يسأل الشاب على دراجة نارية وهو يعصب جبينه بشعار «أمل».

من كفرحونة نزولاً إلى مدينة جزين، حيث تبدو المعركة البلدية «أشرس» من النيابية. قُسمت البلدة بين لائحة «نحنا لجزين» برئاسة خليل حرفوش المدعومة من التيار والقوات. وهناك لائحة «الإنماء أولا» برئاسة العميد نادر أبي نادر المدعومة من النائب السابق سمير عازار والحزب السوري القومي الإجتماعي وعدد من العائلات. أما موقف حزب الكتائب فبقي ملتبساً. ففيما يقول شبانه في البلدة «إنّ أوامر الصيفي طلبت الاقتراع لمصلحة لائحة عازار»، نفت مصادر كتائبية قيادية وجود «أوامر. تركنا الحرية للناخبين، ولكن هناك مرشحون كتائبيون على لائحة عازار». على العكس من لائحة خليل حرفوش التي لم تضم كتائبيين «بسبب سوء إدارة مسؤول الإقليم في جزين ريشار أسود للمعركة»، إذ تقول مصادر كتائبية إنّ أسود «أوهم القيادة أن لديها مرشحين في عدد كبير من البلديات قبل أن تفاجأ بالعكس. جرت إقالته وتولت الصيفي مباشرة إدارة المعركة». ولكن، كان الأوان قد فات. أرقام الماكينة العونية خلال ساعات النهار كانت تتحدث عن تقارب في الأرقام. أما ماكينة حزب القوات اللبنانية فعولت على «نسبة الإقتراع وعلى الآتين من العاصمة. إذا كانت نسبة هؤلاء مرتفعة، فستكون النتيجة محسومة لمصلحتنا».

يقول أحد الصحافيين من أبناء جزين ان «الأنظار ستتوجه حالياً صوب إتحاد البلديات. تجمع رجال الأعمال مثل أمل أبو زيد وشارل الحاج وجوزف عون وفادي رومانوس يهمهم أن يأتي اتحاد متجانس لا يُعرقل لهم مشاريعهم الإنمائية».