ثبت البارحة أنّ «الأمر» في قضاء جزين هو لرئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون. أمل أبو زيد، ابن مليخ في جبل الريحان، هو النائب الشرعي الوحيد في البرلمان اللبناني، قبل قرابة السنة من انتهاء التمديد الثاني لمجلس النواب. هي المرّة الثانية التي يأتي فيها نائب ماروني عن القضاء، من خارج مدينة جزين، بعد النائب فريد قوزما. وهج عون، لم تسمح السنوات منذ 2005 وحتى اليوم، من خفته. عون الذي «خطف» جزين من تحت جناحي رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتحدّى في يوم من الأيام حزب القوات اللبنانية والنائبين السابقين إدمون رزق وسمير عازار، لا يزال يملك من الحيثية والنفوذ ما يكفي لأن يُرشح الشخص الذي يراه مناسباً لـ«مشروعه».


تخطى «جنرال الرابية» الأعراف التقليدية بأن يكون خليف أي نائب راحل إما من العائلة نفسها أو المنطقة عينها. كما أنه «لعب» بين الفخاخ التي تنتج من الصراعات الحزبية والعائلية الموجودة في هذا القضاء الجنوبي. ووأد الخلافات العونية ــ العونية، وخاصة بين النائب زياد أسود ورئيس اتحاد بلديات جزين المنتهية ولايته خليل حرفوش، ولو أنها بقيت جمراً تحت الرماد. اختبر الثنائية المستحدثة بينه وبين القوات اللبنانية، ولو أنه أصلاً لم يكن بحاجة إلى أي قوى إضافية لتثبيت زعامته الجزينية. «لقاء معراب» قد يُرتب عليه «تنازلات» في الانتخابات النيابية المقبلة، إلا أن هذا الحديث لا يزال مؤجلاً بعض الشيء. الأمر اللافت أيضاً، كان حصول أبو زيد على 20٪ من الأصوات في بلدة بنواتي، ذات الأغلبية الموالية لتيار المستقبل، وهذا إن دلّ على شيء فهو النقمة المتزايدة على تيار المستقبل في المدينة والقرى النائية.

أنصار لحركة أمل «أقرّوا» بأنهم صوّتوا لمرشح التيار الوطني الحر



بعد إقفال صناديق الاقتراع بقليل، وصل أبو زيد إلى مكتبه في الشارع العريض في مدينة «جزين». الطبقة الثالثة ازدحمت بنساء ورجال لفّوا أجسادهم باللون البرتقالي. أما النائب الشرعي، فعلامات الارتياح بادية على وجهه وهو يتلقى الاتصالات «المطمئنة»، منها بلدة السريرة التي فيها وجود لأنصار للنائب وليد جنبلاط: «عا القليلة قلتولو لوليد جنبلاط إنو ما رح نمشي معك ميّة بالمية»، يقول للمتصل. هو يعمل وفقاً للمثل القائل «ما تقول فول تا يصير بالمكيول. بس إنو إيه فينا نبلّش نضيّف بقلاوة». في السياسة، «النجاح يعني أنّ جزين كانت وستبقى لميشال عون»، دون أن يغفل «الانعكاس الإيجابي للاتفاق مع القوات اللبنانية. جزين من غير الممكن أن تخذل الزعامات السياسية، وهذا اختبار لنيابة العام 2017». يُخبر رجل الأعمال أن علاقاته السياسية «جيّدة مع كل القوى، باستثناء آل عازار». انطلاقاً من هنا، «على العكس مما يُقال إن مدينة جزين لا تُعطي أصواتها لغير أبنائها ستكون الأصوات متقاربة». أما بالنسبة إلى اللغط الذي رافق موقف حزب الكتائب فـ«إذا إنتِ فهمتي أنا فهمت».

أما آل عازار، الذين لم يستمعوا لنصيحة بري التي قيل إنه قدّمها لهم، ومفادها عدم الترشح إلى الانتخابات النيابية، فكانت هذه الانتخابات اختباراً لهم. ابراهيم سمير عازار لديه «أصدقاء» كُثر. برز هذا الأمر في اللافتات الكثيرة التي ارتفعت وهي تحمل اسمه وفي عدد الأشخاص الذين خصصوا له مراكزهم ومحالهم وهم في الأصل من محبي عون. هدفه ربما من هذا الترشح هو إثبات وجود عائلته السياسي ومعرفة قدرته التجييرية بعدما تخلّت عنه القوات اللبنانية وإدمون رزق وقسم من «الأصوات الشيعية» التي صوتت لابن جبل الريحان أبو زيد. إلا أن لعازار رأياً آخر. على الرغم من فرز عدد كبير من الصناديق قرابة الثامنة والنصف مساءً وتسجيل تقدم أبو زيد، أصرّ على أنّ «المعركة لم تُحسم، أنا لا أملك الصورة النهائية. وفي ما خصّ البلدية، الناس تريد إنماء ولا تريد شعارات». هو لا يستهين «بقدرتي وبقدرة الأحباب التجييرية». يُنكر أي هدف آخر لخوضه المعركة سوى الفوز، «المعركة جدية وجايين تا نربح. هدفنا إنمائي وليس تسجيل نقاط أو إيصال رسالة إلى أحد».

منطقة جزين استيقظت باكراً أمس، على العكس من عدد آخر من بلدات القضاء. منذ السادسة والنصف صباحاً، وكأنها ساحة حرب. يعلو صوت «يا فتى الكتائب». فترتفع قبالته أناشيد الحرب القواتية. ساعد في ذلك، أن المركزين الحزبيين يتقابلان. أما الأطفال، فتولوا توزيع اللوائح الانتخابية. في عمق الشارع، كان التمركز للتيار الوطني الحر. عاد عون ليصرخ هنا من جديد: «يا شعب لبنان العظيم». حراس الكتائب لم ينعسوا إلا قرابة التاسعة مساءً. أطفأوا أنوارهم وعادوا أدراجهم بعدما سقط المرشح النيابي الذين تركوا لناخبيهم حرية اختياره أو لا، «ولكن لماذا نُقاتل في النيابة لأجل أناس لم يحفظوا حصتنا في البلدية؟»، تقول أوساط كتائبية رداً على «إقصاء» الكتائب من لائحة البلدية برئاسة خليل حرفوش. هذه المرّة لم تُوحد الماكينات الانتخابية للقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. يُبرر سامر عون، من ماكينة القوات، ذلك بأنه «من أجل أن يعمل كلّ شخص على استقطاب جماعته». «الفالق» بين الغريمين التاريخيين لا يزال بحاجة إلى وقت ليلتئم.

السوق القديم تُفتح أبوابه أيام الآحاد حتى بعد الظهر. أمتار قليلة تفصل بين ثلاثة محال للسمانة. أفران الصاج تنتشر أيضاً. إيفيت امرأة تحب «الجنرال كثيراً كثيراً، ولكني هذه المرة خصصت محلي مركزاً انتخابياً للأستاذ ابراهيم لأنه شاب ولأن لديّ ملاحظات كثيرة حول عمل النائب زياد أسود. مناكفات التيار الداخلية أنهكتنا». هي لا تريد في هذا النهار سوى أن «أحضر السندويشات والقهوة ببلاش. هذا مركز انتخابي». لجارها في محل المونة البلدية رأي آخر: «هنا الجنرال عون هو الأقوى، رغم أن ابراهيم منفتح وأحسن من بيّو» (النائب السابق سمير عازار). ولكنه يحسمها: «الانتخابات هي نكايات وانتقام». الناس في السوق مستغربة من «قلّة الحركة مقارنةً بالدورة الماضية. ما كان في محل نصفّ السيارات». يقولونها بكل ثقة، رغم أن الأرقام تُظهر أن نسبة الاقتراع في قضاء جزين أمس لامست حدود الـ53 في المئة، في مقابل 52 في المئة في الانتخابات البلدية عام 2010، و53.6 في المئة في الانتخابات النيابية عام 2009.

في كفرحونة في جبل الريحان كلام آخر. يقول المرشح البلدي طارق أحمد محسن، الموالي لحزب الله، إن الناس «ستنتقم من النواب، لذلك الاقتراع لن يكون كثيفاً. صحيح أن الأحزاب أوعزت بدعم أبو زيد، لكن الناخبين سيُمارسون حقهم الديموقراطي. السبب أن أحداً من نواب جزين لم يسأل مرّة عن الضيع الصغيرة المحيطة بالمدينة». على العكس من أنصار لحركة أمل «أقرّوا» بأنهم صوّتوا لمرشح التيار الوطني الحر. راية «الحركة» التي فيّأت صورة «كلنا أمل» تؤكد ذلك.

منزل المرشح الثالث صلاح جبران، حيث ماكينته الانتخابية، كان شبه فارغ. يصل صديقان له من البقاع «لمؤازرته». صور وأعلام كثيرة، وشخص أتى «يسألني كم سندفع لقاء 15 صوتاً بعدما دفع له مرشح التيار 3000 دولار وآل عازار 2500 دولار»، يقول أحد الشبان في المنزل المتفاجئ من تصرف كهذا. لحظات قبل أن تصل زوجته وتهتم بالموجودين. السيدة ريتا «أوعزت للكل بأن يتم استقبال الجميع ومن يريد أن يرتاح فأهلاً وسهلاً به». أما المرشح الرابع، «الثائر» على قيادة جبران باسيل، باتريك رزق الله، فكان يتنقل بين بلدته قيتولي وجزين. «معلوماتي عالأرض إني بجيب 1000 صوت. ولكن إذا جبت 500 فهذا انتصار مقابل المليارات الكثيرة». هكذا كان حديث خلال ساعات ما بعد الظهر الأولى.

الختام، كان مع وصول رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل إلى جزين، واضعاً يده بيد أمل أبو زيد. «فخره» أنه رئيس للتيار الذي رفض التمديد للمجلس النيابي، فها هو من «موقع قوة» بعد فوز مرشحه يجد نفسه يُطالب بـ«انتخابات مبكرة وبقانون انتخابي جديد. وهم لا يريدون لأن النتيجة ستكون مثل جزين».