مضى أكثر من عامين على صدور قانون الإيجارات الجديد. خلال هذه الفترة، لم "تهدأ" الاعتراضات من قبل "طرفي النزاع": المستأجرون القُدامى الرافضون لـ "القانون الأسود التهجيري" ومالكو الأبنية المؤجرة القديمة "المُهلّلون" للقانون. الأحكام القضائية المُتباينة كانت آخر "نتاج" تداعيات القانون، إذ انقسم القضاة حول مسألة نفاذه، خصوصاً أن القانون لم يُردّ الى المجلس النيابي ليعاد نشره بعد صدور قرار المجلس الدستوري بالطعن بدستورية بعض مواده.


بتاريخ 2/7/2015، أصدرت محكمة الاستئناف المدنية الناظرة بقضايا الإيجارات، الغرفة الحادية عشر برئاسة القاضي أيمن عويدات، قراراً جزم فيه بمسألة نفاذ قانون الإيجارات الجديد. إذ بتّ القاضي عويدات بقضية تتعلّق بدعوى أقامتها مالكة ضد مستأجرة لاسترداد المأجور القائم في منطقة مار الياس من أجل الضرورة العائلية، وحكم بإخلاء المأجور مع تعويض تم تحديده وفق قانون الإيجارات الجديد (ما يُعادل 4 مرّات البدل السنوي المحدد بـ 5% من قيمة المأجور). حينها، أثار القرار استغراب بعض الأوساط القانونية والقضائية التي انتقدت الحكم واعتبرت أنه يعتمد منهجاً في التعليل يقوم على التوّسع في الاجتهاد، وهو لا ينطبق على قانون الإيجارات الذي يُعد قانوناً استثنائياً (http://www.al-akhbar.com/node/237464).

تُشكّل هذه النقطة "أساس" المراجعة التي تقدّم بها وكيل المستأجرة المحامي يوسف خريس في 13/7/2015 الى الهيئة العامة لمحكمة التمييز من أجل "استحضار مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين"، يطلب فيها وقف تنفيذ قرار عويدات. واعتبرت المُراجعة أن القرار تضّمن "الخطأ الجسيم الذي يُفترض أن لا يقع فيه قاضي يهتمّ بواجباته الاهتمام العادي"، لافتةً الى أن هيئة محكمة الاستئناف المدنية ما كان يمكن ان تقع في الخطأ "لو ابتعدت عن الاجتهاد والتوسّع في تفسير القانون الاستثنائي".


المسّ بمبدأ فصل السلطات


تستند المراجعة الى المادة 14 من قانون المجلس الدستوري الذي يتوجب إبلاغ المجلس النيابي القرار الصادر عن المجلس الدستوري، وبالتالي إرجاع القانون الى المجلس النيابي ليُصار الى تعديله وصياغة مواده من جديد (..) ومن ثمّ إعادة نشره، وهذا ما يتوافق مع مبدأ فصل السلطات، "الأمر الذي لم يحصل مع قانون الإيجارات الجديد (..) بما أن مجلس النواب لم ينته من التعديلات التي قامت بها لجنة الإدارة والعدل ولم ينشر القانون في الجريدة الرسمية من جديد".

الأمور لم تتضح

بعد بالنسبة لرؤساء محاكم التمييز



تُشير المراجعة الى أن الخطأ الأول الذي حمله القرار يتمثّل بـ "إعطاء القاضي المُنفرد المدني صلاحية اللجنة المُبطلة بموجب قرار المجلس الدستوري (النظر في النزاعات المتعلّقة بقيمة الزيادات على بدلات الإيجارات بين المالكين والمستأجرين)"، لافتةً الى أن هذا القرار "مخالف للدستور وللقانون إذ أن اللجنة المُبطلة لها جانب وعمل مُتصّلان بوزارات عدّة منها وزارة المالية ووزارة الشؤون الاجتماعية التي تُقرّر من هو المؤهل للاستفادة من الصندوق بحيث لا يمكن أن يحلّ قاضي الإيجارات مكان عمل الوزارات المعنية وعمل السلطة التنفيذية عملاً بمبدأ فصل السلطات".


تنفيذ الإخلاء قبل التعويض


جاء في الفقرة "3" من حكم عويدات "حفظ حق المستأجرة بالحصول على المُساعدة نتيجة استرداد المالكة للمأجور موضوع النزاع بعد موافقة القاضي المنفرد على منحها لها بموجب قرار صادر عنه، على ان تدفع لها عند إنشاء وتنظيم الصندوق الخاص بذلك من قبل السلطة التنفيذية ". تعلّق المراجعة على هذه النقطة وتعتبر انها تتضمن الخطأ الثاني إذ "لا يمكن للمحكمة أن تُقرّر تنفيذ الإخلاء بحق المُستأجر قبل قبض تعويض المُساهمة من الصندوق، والذي هو جزء من ذات مساهمة دفع الصندوق لبدلات الإيجار وليس مختلفًا عنه، خاصة أن المواد 22 و16 و27 من القانون الجديد نصّت (...) بحماية المستأجر بدفعه له التعويض بالتزامن مع الإخلاء بعكس ما جاء في الحكم". وتختم المراجعة في هذا الصدد بالإشارة الى أن الصندوق الذي قضى به قانون الإيجارات الجديد لم يُنشأ بعد وقد لا يُنشأ، "وبالتالي لا يجوز اعتبار القانون نافذاً ويقتضي تطبيقه".

أمّا الخطأ الثالث فيتعلّق، بحسب المُراجعة، باعتماد المُحاكمة في تقييم وتخمين المأجور على تقرير خبير عيّنته محكمة البداية في عام 2008 وفقاً لقانون الايجارات القديم 92/160، رغم أن قانون الايجارات الجديد نصّ على آلية واضحة ومحدّدة للتخمين لم تحترمها هذه المحكمة (..)، "ما يعني أن المحكمة انتقت ما يُناسب المالك من القانونين القديم والجديد دون تبرير قانوني ودون التوّقع بما سيلحق بالمدعّية (المستأجرة) من ظلم جرّاء رميها في الشارع بسبب التعويض غير العادل الذي أقرته هذه المحكمة وفق التخمين القديم".


وقف تنفيذ القرار المشكو منه


بعد مرور نحو 10 أشهر على تقديم هذه المُراجعة، أصدرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز قرارها بـ "وقف تنفيذ القرار المشكو منه" في 9/5/2015 . اللافت أن هذا القرار الإعدادي جاء مُقتضباً واكتفى بالإشارة الى "وقف تنفيذ القرار المشكو منه".

ترى مصادر قضائية في هذا القرار "دليلاً على ان الأمور لم تتضح بعد بالنسبة لرؤساء محاكم التمييز وانهم بحاجة الى المزيد من الوقت لدراسة الملف، كما سائر الملفات المتعلقة بقانون الايجارات".

وتقول المصادر أن هذا القرار من شأنه أن يدفع بقية القضاة الى التريّث في البت في القضايا المتعلقة بالقانون. هذا الكلام ينسجم وما يقوله المحامي أديب زخور الذي رأى أن "الكثير من قرارات القضاة كانت تستند الى اجتهاد القاضي عويدات لتطبيق القانون، وبالتالي هذا القرار من شأنه أن يُفرمل هذا المسار".

بدوره، يقول رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة باتريك رزق الله أنه من الخطأ الإيحاء بأنه قرار نهائي لمحكمة التمييز "فيما هو قرار تمهيدي طبيعي لحين البت بالملف".