... وفي بلدة أخرى، تنافست على الانتخابات البلدية لائحتان. إحداهما يرأسها ثري ميسور. هو في الوقت نفسه ملاك كبير ضمن نطاق البلدة العقاري. يروي أهل البلدة أن المرشح رصد لمعركته أقل من مليون دولار بقليل. بين علاقات عامة وكلفة حملة انتخابية وإعلامية وإعلانية ومقتضيات المعركة ونثريات يوم الأحد الطويل... اعتبر البعض أن الاستحقاق يستحق. والقصة بتحرز. ذلك أن البلدة المعنية يقطنها أكثر من 15 ألف مقيم. غير أن المفاجأة الصدمة كانت عند إدراك أن مقترعيها الفعليين في الصناديق لا يتعدون 270 مقترعاً فقط لا غير! يكفي نصفهم زائداً صوتاً واحداً للفوز. 136 صوتاً، مقابل نحو مليون دولار. أعلى نسبة إنفاق انتخابي على الرأس في العالم ربما.

في بلدات وبلديات أخرى لم تكن أخبار المال الانتخابي أقل إبهاراً. قيل ان معدل التكلفة على كل لائحة، كانت نحو عشرة آلاف دولار مقابل كل قلم اقتراع. من دون احتساب المصاريف الجانبية. وقيل إن ثمن التقرير التلفزيوني التسويقي لأي مرشح أو لائحة بلغ 25 ألف دولار. أرقام خيالية بالنسبة إلى استحقاق بلدي. ما يطرح ضرورة البحث حول الأسباب، كما حول سبل المعالجة الممكنة.
في الأسباب قيل الكثير. منها اكتشاف اللبنانيين أن البلديات مزاريب ذهب فعلية. بصناديقها وآلياتها وملحقاتها. يؤكد مستثمرون عقاريون في جبل لبنان أن إتاوة أي توقيع عقاري تبلغ نحو 25 ألف دولار. وحسب المشروع والرخصة المطلوبة، ترتفع أحياناً إلى عشرات الآلاف. هذا إذا كان الطلب المقدم قانونياً بالكامل مطابقاً لكل مواصفات الأنظمة والأصول. أما في حال كان الطلب مشوباً بعيب ما، فتقفز إتاوة المعالجة في البلديات وملحقاتها إلى فوق الأرقام الخمسة من الأوراق الخضراء. هذا فضلاً عن القدرة على التنفيع، إلى جانب الانتفاع. تكليف مهندس بلدية يعني منح ثروة لهذا الشخص. تعيين مساح ثروة أخرى. الكشّاف ثروة أدنى. تلزيمات أشغال البلدية. فرض الموردين ومصادر مواد البناء على كل ضربة شاكوش في البلدية. مولدات الكهرباء. خطوط نقل الإنترنت المسروق أصلاً. شبكات توزيع لواقط المحطات الفضائية. بنود لا تعد ولا تحصى، يشكل كل منها باباً لثروة. وتشكل في مجموعها صناديق من ذهب أسود في مغاور مافيوزات البلديات... يدرك كل لبناني صحة ذلك ودقته. ويتكاذب كل مسؤولي الدولة في النفي والإنكار. هذه فئة أولى من المستشرسين على الخدمة البلدية بأي ثمن، لا بل بأغلى الأثمان.
فئة ثانية ظهرت واضحة في الاستحقاق الأخير، نطاقها بلدات العقار النادر، وزبائنها أصحاب الأملاك الشاسعة. هنا يصير الهدف مختلفاً ومحصوراً. السيطرة على بلدية ما، حيث يملك المرشح لرئاستها، آلاف الأمتار المربعة. وحيث يمكن لتعديل بسيط في تصنيفات العقارات ولزيادة عوامل الاستثمار في النطاق البلدي، أن يؤدي إلى ربح مستتر بملايين الدولارات. ربح مضمون، تغطيه كوميسيونات مستترة أيضاً لبعض الدوائر الرسمية المعنية. غير أنه باب مؤكد لتحقيق ثروات ضخمة. عدد لا يستهان به من المرشحين ومن الاستحقاقات البلدية، خيضت تحت هذا العنوان المكتوم. وهو ما يبرر إنفاق المبالغ المالية الكبيرة التي هدرت على صناديق اقتراعها.
فئة ثالثة تفسر هذا التهافت المالي بأنه مجرد تشريع الثروة اجتماعياً في قرية أو بلدة معينة. هي هنا معضلة نظامنا السياسي الموصد على تجديد النخب وتقديم الأفضل، معطوفة على معضلة الثروات الحديثة السهلة. في ضيعة متواضعة، يكون ثمة مغترب ما. ترك قريته قبل أعوام طويلة. جمع خلالها ثروة مجهولة المصدر. يعود إلى قريته بحثاً عن اعتراف بمكانته المستجدة. يعود ساعياً إلى إقرار أبناء القرية بنجاحه المريب. لا تكفي الفيللا المشيدة ببذخ جاهل. لا تكفي حديقة الغازون ولا موكب السيارات الفارهة. يحتاج المغترب الثري المحسن الكبير الجديد، إلى صك تسليم بترقيه الاجتماعي. لا تسمح له ثورته بعد باللعب في نادي اللوحات الزرقاء. لا يبقى لديه إلا لقب الريس البلدي. يشتريه، يدفع ثمنه. بسعر مقبول أو باهظ. المهم أن يكسر النظام السوسيولوجي المغلق، الذي كان خارجه، والذي يشكل دخوله إليه علة وجود لكل مشوار غربته وثورته وعودته.
في الفئات الثلاث، كما في سواها الممكنة، ثمة ثابتة واحدة: أن اللبناني – بنسبة ما من مرشحيه ومقترعيه ــــ اعتاد ثقافة المال السياسي. تكيف مع نهج الرشوة الانتخابية. تطبّع معها، لا بل طبعها. قد يكون السبب يأسه من النظام. يأسه من إمكان أي تغيير فيه أو أي إصلاح أو أي بديل سليم نقي صحيح. صار وجدانه الواعي أو اللاواعي، يفكر أن هذا المرشح، هذا المشروع مسؤول مقبل، على أي مستوى كان، آت ليسرق باسمي. سينتخب لينهب بواسطة صوتي. سيصل ليثري ويغتني على حساب مصلحتي. وطيلة ولايته، أكانت بلدية أم نيابية أو أعلى، لن أقدر على محاسبته ولا على مراقبته ولا حتى على مطالبته بحق أو مطلب. لم يعد أمامي إلا فرصة هذه اللحظة. لحظة حاجته إلى ورقتي في ذلك الصندوق. فعلى الأقل سأجعله يدفع ثمنها غالياً، مقابل كل الأثمان التي سيجنيها منها لاحقاً!
خلاصة التجربة، وما لم يتغير شيء ما ثورياً، سنصل حتماً بعد زمن قصير، إلى واقع ترفع فيه "تعرفة" الترشيحات، كما تعرفة سائق التاكسي في زمن لبنان البسيط: شرط الترشح لعضو بلدي ثروة مليون دولار. لرئيس بلدية 10. لنائب خمسين. وصولاً إلى مليار لرئيس حكومة. سنكون كلنا يومها شوفيرية تاكسيات على خط دوّار السلطة ودُوارها.