بسرعة، "نبتت" المجمعات التجارية، أو ما يعرف بالـMALL، واستقطبت فئة كبيرة من المجتمع. ظهرت المجمعات الضخمة وبدأت "تضرب" المتاجر الصغيرة والمتوسطة المحيطة بها، بسبب المنافسة غير المتكافئة، حتى أقفل عدد كبير منها بعدما عجز عن الدخول إليها. باتت هذه المجمعات بديلاً من الأسواق التقليدية، إذ وفّرت جميع احتياجات الناس في مكان واحد، وأمّنت جواً مريحاً للمتسوقين، واستقطبت بشكل خاص فئة الشباب والمراهقين. اعتُبر انتشار هذه الظاهرة مقياساً للرفاهية والتقدم في مستوى العيش والاستهلاك من دون أيّ التفات إلى تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتحديداً أثرها على نمط التسوق التقليدي، ففقدت الأسواق التقليدية عدداً كبيراً من مرتاديها، وبالتالي جزءاً من أدوارها، وتغيّرت ثقافة التسوّق لدى المستهلكين. لا تقتصر هذه الإشكالية على لبنان، بل تُعمّم على معظم الدول، ما يدفع إلى طرح تساؤل جدي: ما هي الاتجاهات العالمية للمجمعات التجارية خلال السنوات المقبلة؟


خلق ذاكرة جماعية في الـ"مول"

الاتجاهات العالمية للمجمعات التجارية تدور حول مبدأ أساسي هو أنّ "المسألة لا تتوقف فقط على ما نحصل عليه من المجمع، بل تجربة التسوّق بحد ذاتها"، وهو ما عرضه عدد من الخبراء في مؤتمر "بيفكس 2016" الذي نظمته الجمعية اللبنانية لتراخيص الامتياز أخيراً.
يتحدث إدوارد ديتاييه عن الاتجاهات الكبرى للمجمعات التجارية والتي ترتكز على ثلاثة أبعاد:
البعد المركزي: وتندرج ضمن إطاره ضخامة المجمّع التي تعدّ شرطاً أساسياً، إضافة إلى أنّ المجمع يشكل منطقة مختلطة تضم عمالاً وسياحاً ومتسوقين. كذلك يجب أن يضمن المجمّع وصول الناس الى الإنترنت من خلال تأمين انترنت مجاني لمواكبة المتاجر الموجودة، وأن يشكّل بيئة آمنة للمتسوقين.
البعد الاجتماعي: تبرز أهمية البعد الاجتماعي في إدخال الذكريات والتجارب الشخصية للمتسوقين داخل المجمع لخلق ذاكرة لهم في هذا المكان، ما يحفّزهم على العودة. يتم هذا الأمر عبر خلق مجتمعات موصولة في ما بينها في المكان نفسه، وتأمين التسلية للمتسوّق وإعطاء تجربته طابعاً شخصياًَ، أي شخصنة العلاقة بين المجمع التجاري والمستهلك. يلفت ديتاييه إلى صعوبة إقناع المموّلين بأهمية البعد الاجتماعي للمول، لكنهم يجب أن يعلموا أن المول ليس فقط لاستعراض السلع.
البعد الثقافي: يتبلور هذا البعد من خلال التركيز على الاتجاهات الثقافية، مثل إقامة حفلات فنية ومعارض داخل المجمع. كذلك ضرورة استخدام لغة عالمية داخل المجمع وتوفير نشاطات للسياح وتأمين التقنيات اللازمة لتسهيل عملية التسوق.
يُعطي جون رايان أمثلة عملية عن بعض الأساليب التي تضمن توفير هذه الأبعاد، فيشير الى مجمع تجاري يقدّم حلوى على هيئة الشخص "تستغرق عملية تصميم هذه الحلوى 45 دقيقة، ما يؤدي إلى تحقيق أمرين: أولاً شخصنة العلاقة بين المستهلك والمنتج، وثانياً ضمان بقاء المتسوق في المجمع لـ45 دقيقة إضافية ودفعه نحو الاستهلاك أكثر". هكذا إذاً يحاول هؤلاء خلق هوية للمجمعات التجارية ويبذلون جهودهم لجعلها مساحات مشتركة للناس، وهو ما كانت تؤمنه الأسواق التقليدية التي كان لها طابع يميّز كلاً منها، قبل أن تدمّرها المجمعات الضخمة.

الأسواق ضد "المولات" في لبنان

بداية هذا العام أعلن الممثل الإقليمي للمجلس العالمي لمراكز التسوق ومجلس مراكز تسوق الشرق الأوسط في لبنان نبيل جبرايل أنّ "عدد مراكز التسوق في لبنان وصل الى 12 مجمعاً تبلغ المساحة القابلة للتأجير فيها 416 ألف متر مربّع، وهناك عشرة مجمّعات جديدة قيد الإنشاء حالياً، وتبلغ المساحة القابلة للتأجير فيها 605 آلاف متر مربّع، ما سيرفع العدد الإجمالي إلى 22 مجمّعاً يبلغ إجمالي المساحة القابلة للتأجير فيها نحو مليون متر مربّع".
يشرح المدير التنفيذي لشركة SMAG (المتخصصة في إنشاء المجمعات التجارية) روني عون لـ"الأخبار"، أنّه "يجري حالياً بناء وإعداد سبعة مجمعات تجارية جديدة في كل من جبيل، الجناح، صور، الكسليك، خلدة، فردان وزحلة". يعدّد عون أبرز العوامل التي تؤدي الى نجاح المجمع التجاري في لبنان، وهي الموقع، التصميم الذي يجب أن يكون غير معقّد، وتنوّع العلامات التجارية.
هذه الحماسة لدى المطورين لبناء مجمعات تجارية ضخمة في البلد تقابلها وجهة نظر مغايرة ترى في المجمعات التجارية تدميراً للأسواق التقليدية، وهو ما لم يتطرق اليه مؤتمر "بيفكس 2016" نهائياً.
يذهب المهندس المعماري وخبير التصميم المدني عبد الحليم جبر أبعد من "سرقة" المجمعات التجارية لزبائن الأسواق التقليدية، بسبب تفضيل الناس ركن سياراتهم في مكان مؤمّن وتجوالهم في مركز مكيّف وآمن ويضم مختلف الحاجيات عوض التجوال في السوق، ليضيء على تأثير أكبر لهذه المجمعات يكمن في رفع قيمة العقارات المحيطة بها، ما يؤدي الى "طرد" المحال التقليدية، وتشجيع المضاربات العقارية، تماماً مثلما حدث في محيط ABC أشرفية.
أمّا عن العدد المتوقّع للمجمعات التجارية في لبنان، فيعلن جبر أنه "لا توجد دراسات عن العدد الذي يمكن أن يستوعبه البلد، لكن بتقديري لا يوجد مبرر لهذا العدد من المجمعات، إن كان على الصعيد السكاني أو الجغرافي، إنما مبدأ المجمعات قائم على "البناء للجذب" ولا يستند دائماً إلى الحاجة الفعلية لها". يلفت جبر الى ملاحظة أساسية في هذا السياق، فالقاعدة تقول إن المول الجديد "يقتل" المول القديم، وهذا ما نلاحظه مثلاً في فردان. فحين افتُتح verdun 732 و730 لم يعد هناك ضغط على dunes، وعندما سيُفتتح الـABC في فردان "سيقتل" المولات الثلاثة المحيطة به، التي إمّا ستصبح تخصصية أو ستعمل على زيادة المطاعم فيها والسينما.
يقول جبر لـ"الأخبار" إنه "يمكن أن يقلّد المطورون الأسواق ويسعوا الى إدخال ميزاتها الى المجمعات التجارية، لكن لا شيء يُغني عن الخبرات المتراكمة في المدينة والسوق". يُعطي مثالاً بسيطاً عن أسواق بيروت: "حافظ المطورون على التقطيع القديم نفسه لأسواق بيروت، لكنها اليوم فارغة لماذا؟ لأن أهم فارق بين المجمع التجاري والسوق هو التركيبة الاقتصادية والاجتماعية". فمن وجهة نظر التجار يُرتّب المجمع التجاري على التاجر عقد إيجار مرتفع القيمة، مهلاً نهائية، التنويع في الماركات ومواكبة الموضة بشكل سريع، ما يعني أن الدينامية الاقتصادية مختلفة وتؤدي الى أن يكون "نفس التاجر قصيراً". أمّا في السوق، فالإيجارات تكون أرخص. هناك مبدأ التكافل بين التجار، لأن أيّ نكسة لمتجر يمكن أن تؤدي الى انتكاسة السوق. تبرز التخصصية. يمكن أن يمرر التاجر فترات كساد من دون أن يؤدي هذا الأمر الى الإغلاق… وبالتالي إن العمق الثقافي والمفهوم الاقتصادي والاجتماعي للسوق لا يمكن "تقليدهما".