يُروى أنّ رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، بعدما دمر الطيران الألماني البنى التحتية في بلاده خلال الحرب العالمية الثانية، سأل مستشاريه عن أحوال القضاء، مطلقاً مقولته الشهيرة: «إذا كان القضاء بخير، فستكون بريطانيا بخير، ومن الممكن إصلاح كل شيء».

أما في لبنان، حيث لا تشرشل ولا من يشبهه، فيبقى السياسيون بخير ما دام القضاء ليس بخير. فهنا، يمكن أن يتنحّى عشرة قضاة، بسبب ضغوط السياسيين، عن قضية يقرّ رئيس المحكمة بعد تسعة أشهر من النظر فيها بأن الأجواء التي تحيط بها غير سليمة، ورغم ذلك يدفن مجلس القضاء الأعلى رأسه في الرمال. وهنا، يمكن أن تنشر الصحف مقالات تفضح ممارسات بعض القضاة، بالأسماء والأدلة، من دون أن يحرّك أحد ساكناً. وهنا، يمكن أن يتردد قضاة في ترك موقوف بريء أو يتشدّدون في تطبيق القانون تفادياً لسهام هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.
وهنا، يدرك القضاة جيداً أنّ على القاضي غير «المسنود» أن يتوقع كل شيء إن هو خرج عن «السمع والطاعة». فالنماذج عن بعض من «تجرّأوا» من زملائهم ماثلة أمامهم. وسيف «التشكيلات القضائية» ــــ التي قد ترمي بقاضٍ مقيمٍ شمالاً في أقصى الجنوب أو العكس ــــ مصلت فوق رقابهم. أما تعبير «السلطة القضائية» فمجرد تسمية مجازية لا يتمتع بها أي قاضٍ، باستثناء النائب العام التمييزي وأعضاء مجلس القضاء الأعلى. بل حتى هؤلاء يُستثنى من سلطتهم أصحاب السند الحزبي والسياسي. لذلك يعمد غير المحظيين إلى أقصر الطرق و«أسلمها»، تفادياً لـ «وجع الرأس»، عبر ما يسمّى «استشعار الحرج والتنحّي».

نحو 50 قاضياً من «المحظيين» تُغدق عليهم العطايا
إذ إن المادة 120 من قانون «أصول المحاكمات المدنية» تُجيز لـ«القاضي، إذا استشعر الحرج من نظر الدعوى لأي سبب، أن يعرض تنحيه»... وكفى الله المؤمنين شرّ القتال!
في الخلاف القضائي الشهير حول «مجبل كفررمان»، مثلاً، بين الرئيس السابق لبلدية كفررمان كمال غبريس، والمتموّل حسين أخضر، تنحى عشرة قضاة عن النظر في القضية، (القضاة كريم حرب وبرنار الشويري ووسيم إبراهيم ورئبال ذبيان ومحمد عبده ونسرين علوية وحسن سكينة ومهى فياض وهاني الحجار وعبد زلزلي). وقد حصلت «الأخبار» على نسخة من رسالة من الرئيس الأول لمحكمة استئناف النبطية القاضي برنار الشويري إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، تضمنت ما يأتي: «يتشرف القاضي أن يعرض على سيادتكم أنه منذ بدء الدعاوى بين المذكورَين (غبريس وأخضر) أعلاه، أحاطت بالملفات أجواء غير سليمة، اضطر بنتيجتها أن يعرض القضاة السادة تنحيهم عن النظر فيها... ما جعل تشكيل الهيئة الاتهامية صعباً وتشكيل غرفة لمحكمة الجنايات مستحيلاً»... لكن هذا كله لم يكن كافياً لتحرك سريع وعاجل من مجلس القضاء لوضع يده على الملف وكشف الضغوطات ومعاقبة المسؤولين. لا بل لا يزال الملف عالقاً في أدراج محكمة التمييز ويتواصل اعتقال موقوفين تعسّفاً حتى إطلاقهم بناءً على تسويات سياسية وانتخابية. والأدهى أن رئيس إحدى الغرف في محكمة التمييز رفض قبول طلب نقل الدعوى وغرّم المدّعي لـ «تجرّؤه» على طلب النقل!
ولكن هل يمكن لوم القضاة على ابتعادهم عن «وجع الرأس»؟
بالتأكيد لا، في ظل سياسة «أبناء الست» و«أبناء الجارية» التي تُطبّق على الجسم القضائي. فنظرة سريعة على الموقع الإلكتروني التابع لوزارة العدل على الإنترنت تظهر، بوضوح، أن من بين نحو 600 قاضٍ هناك نحو 50 قاضياً من «المحظيين» الذين تُغدق عليهم العطايا والمكرمات السياسية. فهؤلاء مدرجون على جداول السفر مرات عدة سنوياً، مع ما تعنيه بدلات السفر من عوائد مالية. وبعضهم يُعيّن قاضياً ملحقاً بالوزارة ليرتفع راتبه بعشرين في المئة. ومنهم من يُعين في أكثر من منصب مع ما يعنيه تعدّد المناصب من تعدّد الرواتب. فأحدهم، على سبيل المثال، بعدما أُلحق بالمديرية العامة لوزارة العدل، عُيّن مستشاراً قانونياً لوزارة الأشغال والنقل، فيما عُيّن قاضٍ آخر في كل من لجان الانتخابات والاستملاك والاعتراضات وكتّاب العدل، وفوق ذلك كله، ممثلاً لوزارة العدل في لجنة الإدارة والعدل النيابية. أما «جوائز الترضية»، كما في موسم الانتخابات البلدية الذي انتهى لتوّه، فتبيّن بوضوح كيف تلعب الحظوة دوراً أساسياً في اختيار القضاة على رأس لجان القيد في الدوائر الانتخابية، مع ما يعنيه ذلك من فوائد مادية (بين 800 ألف ليرة ومليون ونصف مليون للقاضي عن يوم واحد). وجولة سريعة على هذه اللجان، تُظهِر أن أسماء القضاة أنفسهم تتكرر. وبعضهم ورد اسمه ثلاث مرات، وبينهم القاضي محمد صعب، مستشار وزير العدل المستقيل أشرف ريفي، بما يوحي بأن هناك «كليك» في الوزارة يتحكم بتشكيل القضاة وتوزيع المكاسب. بعد هذا كله، يصبح مفهوماً أن يستشعر بعض القضاة حرجاً من النظر في بعض الدعاوى، ما دامت الوزارة، والدولة من ورائها، أبرز المشجعين على رفع شعار «إبعد عن الشرّ وغنّي له»!