أمام مركز المديرية العامة للأمن العام يقف مئات المواطنين اللبنانيين منتظرين أدوارهم. يتقدّم الصف ببطء. يمتد إلى الباحة الخارجية للمبنى. الطقس عاصف ودرجات الحرارة متدنية والأمطار تتساقط بغزارة. يقف الناس تحت المطر حاملين مظلاتهم. أما أولئك الذين ظنوا أنهم سينتظرون في قاعات دافئة، فقد "أكلوا الضرب". تراهم يقون رؤوسهم من الأمطار بملف يحملونه. استجاب هؤلاء على عجل وبارتباك لطلب المديرية استبدال كافة الجوازات المجددة قبل عام 2015 أو التي تتضمن مرافقين، غير مدركين أصلاً ما الذي يحصل. يريدون فقط ضمان عدم مواجهتهم مشاكل عند سفرهم. مشهد الناس مذلّ حقاً، ويعكس بشكل واقعي مكانة المواطن اللبناني بالنسبة إلى دولته. خضع المضطرون الى السفر لابتزاز الدولة التي تركتهم حتى اللحظة الأخيرة لتبلغهم قراراً دولياً صادراً عام 2005 ويمكن أن يشكل ضرراً حقيقياً عليهم.
يحاول رجل خمسيني أن يحمي أوراقه من البلل عبر وضعها في معطفه. ينتظر في الصف منذ ساعة وعلامات القهر بادية بوضوح على وجهه. يوضح أنه ليس "مقهوراً" على الاموال التي سيدفعها مجدداً، "الشغلة مش قصة مصاري، أنا أعصابي احترقت ووقتي ضاع. جايي 5 ايام إجازة لشوف عيلتي، بس صرلي يومين مش عارف حالي شو أعمل. مش عارف إذا بقدر سافر أو لأ. راح يومين من الإجازة لغيّر باسبور". لا معلومات مؤكدة لدى المنتظرين في الصف عمّا يحصل. كثيرون منهم لا يدركون المشكلة في جوازاتهم. يقولون إنهم سمعوا على الإعلام وجوب استبدال كافة الجوازات المجددة وأتوا، أمّا الاسباب الموجبة للقرار فلا تعني الكثيرين منهم. الغالبية الكبرى من المواطنين الذين سارعوا الى مركز الأمن العام مغتربون كانوا يقضون إجازة الأعياد في لبنان وشارفت إجازاتهم على الانتهاء، لكنهم خافوا من عدم السماح لهم بالسفر فاستجابوا سريعاً لطلب الأمن العام. يخبر رجل آخر كان يقف في الباحة الخارجية أنه كان يستعد للسفر الأحد المقبل إلى الإمارات بعد انتهاء إجازته، "عند سماعي الخبر أنجزت الأوراق المطلوبة سريعاً وأتيت الى المركز. لديّ عمل في الإمارات ولا يمكن أن أتأخر في المغادرة"، هل سيدفع الرسوم مجدداً؟ "جبرونا ندفع شو بدنا نساوي. كل مرة بيضحكوا علينا". يتدخّل شاب يقف خلف الرجل ويقول إنّ باسبوره تنتهي صلاحيته عام 2018، "كنت جايي زيارة من ايرلندا عالأعياد وعلقت"، يُخبر أنّه "سينجز جوازاً لسنة واحدة، لأن هناك جوازات جديدة ستصدر بعد مدة، حسب ما علمنا".
في الوقت الذي يتدفق فيه الناس الى مركز الأمن العام، عقد رئيس دائرة الجوازات الرائد علي ترمس مؤتمراً لشرح ملابسات القضية، بعد أن مدّدت المديرية دوام العمل طيلة أيام الأسبوع في كافة المراكز حتى الساعة الرابعة من بعد الظهر لاستقبال طلبات استبدال الجوازات. يعلن ترمس أنّ هناك 200 ألف جواز سفر ساري المفعول مجدد يدوياً، أي قبل 1 كانون الثاني 2015، وهذه الجوازات جميعها "يفضّل" استبدالها كي لا يواجه حاملوها مشاكل في مطارات الدول الأخرى. في الواقع لا يمكن للمواطن أن "يفضّل" استبدال جوازه، إذ هناك 191 دولة عضواً في منظمة "إيكاو"، وبالتالي تلتزم معايير المنظمة، ما يحوّل الأمر إلى ابتزاز غير مباشر للبنانيين لاستبدال جوازاتهم.

تم إقرار التعديلين تدريجياً لأن هناك مخزوناً محدوداً من جوازات السفر

يؤكد ترمس أنه يجب على المواطنين إعادة دفع الرسوم المالية، لأنّ الرسوم تُفرض بقوانين صادرة عن مجلس النواب، وبالتالي لا يمكن تعديلها استثنائياً سوى بقانون آخر. هكذا إذاً، لا تشريع ضرورة حتّى بوجود 200 ألف متضرر، إذ إنّ مصالح الناس لا تعني المسؤولين الذين لا يُشرّعون "ضرورياً" سوى خدمة الدين العام والمصارف والشروط الخارجية. وفي حساب لمتوسط كلفة استبدال الجوازات، سيدفع اللبنانيون نحو 24 مليون دولار بسبب خطأ الدولة، من دون احتساب الرسوم الإضافية التي يدفعها المواطن في حالات الحصول على جواز فوري من دون انتظار المهلة الاعتيادية، وهذه حال عدد كبير من اللبنانيين الذين هرعوا الى مراكز الأمن العام لاستبدال جوازاتهم بأسرع وقت ممكن لتأمين عودتهم الى أعمالهم في الخارج في الوقت المناسب.
لكن ماذا عن إصدار الجوازات "البيومترية"؟ يقول ترمس إنّ الجوازات الجديدة لا تتعارض مع الجوازات "البيومترية" المنوي إصدارها، فيبقى جواز السفر الحالي ساري المفعول حتى انتهاء صلاحيته. وطلب من "المواطنين الذين باستطاعتهم الانتظار ولا يستخدمون جوازات سفرهم حالياً، إصدار جواز جديد دفعة واحدة عند بدء العمل بجوازات السفر البيومترية، وذلك توفيراً لجهودهم وأموالهم".
يشرح ترمس أن هذا الإجراء أقرّته منظمة الطيران المدني الدولي التي أعلنت أنه من تاريخ 24 تشرين الثاني 2015 تصبح كافة جوازات السفر غير المقروءة آليا خارج الاستعمال، وبالتالي يوجد في جواز السفر اللبناني أمران غير مقروءين آلياً، هما التجديد والمرافقون. أما الجواز اللبناني في حدّ ذاته (أي قبل تجديده) فيعتبر مقروءاً آلياً. وعليه قام الأمن العام منذ 1 تشرين الثاني 2014 بإلغاء إمكانية إضافة مرافقين على الجوازات، ومنذ 1 تشرين الثاني 2015 أوقف تجديد الجوازات. يعلن أنّه تم إقرار التعديلين تدريجياً، لأن هناك مخزوناً محدوداً من جوازات السفر، وبالتالي لا يمكن المباشرة بالإجراءين معاً. أمّا عن التأخر في إبلاغ المواطنين، فيقول ترمس إنّه خلال شهر كانون الأول 2015 وصلت مراسلات من السفارات اللبنانية في الخارج إلى الأمن العام بأنّ الدول الأعضاء في "إيكاو" بدأت تتخذ إجراءات بحق حاملي جوازات سفر غير مقروءة آلياً، إذ أرسلت السفارة اللبنانية في السعودية أن الأخيرة التزمت بعدم منح تأشيرات دخول لحاملي الجوازات غير المقروءة آلياً. كذلك منعت دولة جنوب أفريقيا مواطناً لبنانياً يحمل إقامة من الدخول بسبب جواز سفره. يعترف ترمس بأنّ "هناك مواطنين مُنعوا من الدخول الى دول أخرى"، ما يؤكد أن الدولة لا تأبه جدياً للأضرار التي يتعرض لها مواطنوها جرّاء إهمالها. لم يقدّم الأمن العام إجابة واضحة عن أسباب التأخر في هذا الإجراء. فإذا سلمنا جدلاً بأنه لم يكن لديه علم منذ عام 2005، فإن المديرية أكّدت أنها على علم بالأمر منذ عام 2011، وبالتالي كان يجب أن تتوقف عن تجديد الجوازات يدوياً منذ ذاك الوقت، لا أن تنتظر حتى عام 2015 تحت حجة أنّ "مخزون الجوازات محدود" وتدفّع المواطن ثمن هذا الخطأ.
"يطمئن" ترمس المواطنين إلى أنه لن يكون هناك منع سفر لأحد، حتّى لو لم يستبدل جوازه، لكن على مسؤوليته الخاصة، إذ يمكن أن يُمنع من دخول البلد المقصود. كذلك يمكن للبنانيين أن يدخلوا الى لبنان بجواز سفر مجدد على أن يتم إبلاغهم بضرورة استبداله من دون سحب الجوازات منهم. أمّا في ما يتعلق بالرعايا الأجانب والتزام لبنان بعدم استقبال جوازات سفر غير مقروءة آليا، فيقول ترمس إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى اليوم.