كعادة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، حرص على استهلال حواره المطوّل للمصريين الجمعة الماضية، بالحديث عن «30 يونيو» وما بعدها، وتفاصيل إزاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي عن السلطة، في محاولة لاستعادة المرحلة التي وصلت فيها شعبيته إلى ذروتها، إبّان توليه وزارة الدفاع.

معلومات السيسي عن الاقتصاد لا تزال غير صحيحة، فإعلانه إنفاق الدولة تريليونا و400 مليار جنيه تقريباً في المشروعات لا يحمل أي وجه للدقة، لأن قيمة الإنفاق التي تحدث عنها تعني أن معدلات النمو تصل إلى 9% تقريباً وفقاً لخبراء الاقتصاد، لكن اقتصاد البلاد حقق العام الماضي نسبة نمو وصلت إلى 4.2% فقط، وهو رقم يتوقع أن يقل في العام الجاري متأثراً بتراجع السياحة بجانب تراجع إيرادات قناة السويس، ولكل منهما قصته المعروفة.
لم يحمل الخطاب أي معلومات جديدة سوى اعتراف ضمني بأن المقبل سيكون أسوأ على الطبقة المتوسطة، فـ«الجنرال» الذي انتصفت مدته الرئاسية الأولى (المقرر أن تنتهي في حزيران 2018)، قابل شكاوى الناس من ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه بالقول إن المواطن لا يزال يدفع 60% من التكلفة فقط، وليس كما يدفع نظيره الأوروبي كامل التكلفة دون دعم، لكن هذا التصريح لم ينظر في الجانب الآخر من حياة المصريين الذين يعانون مشكلات عدة مرتبطة بزيادة أسعار جميع السلع ومحدودية زيادة العلاوات، التي لن تزيد على 7% في العام المالي الجديد مقابل انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار بنحو 15% على مدى العامين الماضيين.
كذلك فإن خطة رفع، الدعم التي أقرتها حكومة إبراهيم محلب السابقة وتستمر لخمس سنوات (استجابة لتوجيهات البنك الدولي)، تزامنت مع زيادة الغضب الشعبي حتى من مؤيدي السيسي. وفي الأيام الماضية، ظهرت المشاجرات غير المسبوقة للحصول على الأرز المدعوم حكوميا عند منافذ خصصتها القوات المسلحة بعدما زادت أسعاره إلى الضعف في ظل نقص الكميات المطروحة في السوق ولجوء المزراعين إلى تهريب كميات كبيرة إلى السودان، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار المبيدات وانخفاض هامش الربح داخل مصر.
والجانب الآخر من حديث السيسي يؤكد إداركه بأن تنفيذ تفريعة قناة السويس الجديدة خلال عام ساهم في توحيد أهداف المصريين أكثر من أنه سيحقق عائدا ماديا سريعا، وهو تهرب علني من الحقائق الاقتصادية التي أثبتتها الأرقام بعد تحذيرات سابقة لخبراء، كما جاء اعترافه بوجود 10% من سجناء الرأي السياسيين لا الجنائيين تأكيدا لموافقته على ما تفعله وزارة الداخلية بتلفيق اتهامات بحق الشباب، وهو ما يتنافى مع تصريحات سابقة له أكد فيها أنه لا وجود لسجناء رأي.

ما لم يذكره السيسي هو أن مستوى الحريات تراجع بخطورة

أما ما لم يذكره الرئيس، فهو أن مستوى الحريات تراجع بخطورة خلال العامين، مقابل ازدياد انتهاكات «الداخلية» وتصفية المشتبه بهم في حوادث غامضة، ثم تورط ضباط شرطة في قضايا فساد وزيادة حالات الوفاة داخل السجون والتوسع في إنشاء السجون، ما جعل من عامي حكمه يشبهان الأيام الاخيرة في نظام حسني مبارك، الذي توسع أيضا في بناء السجون ولم يلجأ إلى الحوار مع المعارضة. حتى لقاءات السيسي مع بعض القوى والشخصيات جاءت دائما دون نتيجة تذكر.
وفي النصف الثاني من العام الثاني، جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين القاهرة والرياض كنقطة سلبية فاصلة في مسيرة الرجل، الذي غنّى له الفنانون باعتباره المحافظ على الأرض. مع ذلك أكد تمسكه بتمرير الاتفاقية عبر البرلمان الذي يحظى فيه بأغلبية مطلقة عبر القوائم الانتخابية المشكّلة بإشراف أجهزة الدولة، ما يعني أن النواب ورغم أصوات المعارضة القوية بينهم، لن ينحجوا في منع الاتفاقية، علماً بأن الحكومة تتباطأ في إرسال نصها إليهم في وقت تعمل فيه على تعديل الخرائط والمناهج الدراسية لاستبعاد الجزيرتين من الأراضي المصرية.
نقطة نجاح صغيرة يبدو أن السيسي حققها في مواجهة الإرهاب في سيناء، لكنها نتيجة غير ثابتة على ضوء أن الجماعات التكفيرية قادرة على الدخول في مواجهات مع الجيش والشرطة وتنفيذ عمليات كبيرة في أي وقت. وكانت أسوأ النتائج في هذه المعركة تهجير الأهالي من الشريط الحدودي وهدم مدينة رفح القديمة وإغلاق معبر رفح مع غزة في غالبية أوقات العام. والمخيف أن هذه الجماعات، التي يعلن الجيش استهداف العشرات منها، لا تخفي التقديرات أنها تستطيع الاشتباك وسط ظروف إنسانية صعبة يعيشها أهالي مدن العريش والشيخ زويد ورفح، في ظل استمرار حالة الطوارئ للعام الثالث على التوالي.
أيضا، يُحسب لـ«الجنرال» خلال العامين الماضيين صفقات السلاح الكبيرة التي أبرمها مع فرنسا وروسيا وحصلت القاهرة بموجبها على حاملة الطائرات «دي ميسترال» بالإضافة إلى طائرات «رافال». لكن هذه الصفقات جاءت غالبيتها نتيجة تنازلات ومواءمات سياسية وبأموال خليجية. كما أن إعادته إحياء مشروع محطة الضبعة النووية جاء بقرض سيزيد الدين الخارجي بمقدار النصف مع اكتماله عام 2028، وذلك في عجز واضح عن سداد الالتزامات الخارجية وانتهاج سياسة اللجوء إلى المزيد من القروض والمنح والودائع التي أدخلت إلى الاقتصاد أكثر من 30 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية، وصارت هي نصف الاحتياطي النقدي مع أنها حالت دون انهيار قيمة الجنيه تماما.
خارجياً، برغم تراجع مكانة مصر بصورة ملحوظة في السنوات الماضية، فإن السيسي نجح في استعادة جزء منها أخيرا. ونجح أيضا في استعادة العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي التي اتخذت موقفا عدائيا من عزل مرسي ووصفته بعضها بالانقلاب على الديموقراطية، ولكن بقيت الانتقادات موجهة إلى سجل حقوق الإنسان الذي رصد تراجع كبير فيه مع تضييق على حرية الإعلام والرأي.