خالف الوزير نهاد المشنوق كلّ التوقّعات. ذهب في الآونة الأخيرة إلى حيث لا يجرؤ غيره من المستقبليين، مطلقاً "عاصفة حزم" عكسية في وجه المملكة العربية السعودية، انفجرت ردوداً محلية وسعودية في وجهه. قبل أشهر قليلة، خرج الرجل في احتفال تكريمه من قِبل اتحاد جمعيات العائلات البيروتية ليؤكّد أن «مملكة الخير تستعمل القوة للحفاظ على خير العرب ووحدة العرب واستقرار العرب ومجتمعات العرب ودول العرب. لا قيامة للعروبة دون السعودية ولا توازن في المنطقة إلا بالسعودية». لكنه انقلب منذ أيام على رأيه، مطلقاً عدداً كبيراً من المعلومات قصد بها التلميح إلى أن سياسة «مملكة الخير» نفسها، هي التي أوصلت تيار المستقبل إلى ما وصل إليه. خلق كلام المشنوق إرباكاً داخل تيار المستقبل، وارتدادات داخل المملكة العربية السعودية، أدناها نفي دبلوماسي على لسان السفير علي عواض العسيري، وأقصاها ردّ قاسي تولّته صحيفة «عكاظ» السعودية التابعة للعائلة المالكة، مطلقة العنان أمس لهجوم وصل حدّ اتهام الرجل بأنه «يعاني من شيزوفرينيا». سارع تيار المستقبل على لسان نوابه إلى التبرّؤ من كلام نائب كتلته، مؤكّداً أن كلامه «تحليل شخصي». تبعه ردّ ثان أمس للسفير السعودي رأى فيه أن «حديث وزير الداخلية لا يعبّر عن الرئيس الحريري ولا المستقبل».
لقاء المشنوق العسيري سيشكل بداية النهاية لكل الزوبعة التي أثارها كلام المشنوق الأخير

ما هو الجوّ الحقيقي للتيار في ظل الكلام الكثير عن الإرباك الذي خلقه عند الرئيس الحريري؟ وهل العلاقة بين الحريري والمشنوق متوترة إلى هذا الحد؟ وكيف تلقّت المملكة تصريحات الرجل الصريحة؟ وهل سينعكس ذلك سلباً عليه في ظل تأكيده أن «هناك المزيد ليقوله في حال اقتضى الأمر»؟
علامات استفهام طرحها أكثر من طرف، عندما كان يصغي بتمعّن إلى وزير الداخلية منذ أيام، بعدما «حاول وضع حدّ لمهزلة المزايدين على خيارات تيار المستقبل». لكن الجواب الحاسم كان في ما كشفته مصادر مستقبلية بارزة عن لقاء جمع الوزير المشنوق أمس بالسفير السعودي لساعتين، كان أقرب إلى «جلسة توضيحية أعاد الوزير التأكيد خلالها أنه يتحمل مسؤولية موقفه». وبحسب المصادر «تعاطى العسيري مع الرجل بأسلوب ودّي مبني على العلاقة التاريخية والمتينة التي تجمع المشنوق بالمملكة»، معتبرة أن اللقاء «سيشكل بداية النهاية لكل الزوبعة التي أثارها كلام المشنوق الأخير». ونفت المصادر كل الحديث عن «مشكل كبير بين الحريري والمشنوق»، مؤكدة أن «جو الاتصالات بينهما في اليومين الماضيين لم يكن على نحو سيّئ للغاية». أما البارز في كلام المصادر فكان في إشارتها إلى أن «محبي الوزير المشنوق في المملكة أيضاً كُثر، وهناك من يعمل على تهدئة الفورة التي نتجت من كلامه... وليس كل من في المملكة يعارض كلامه بل هناك من يؤيده أيضاً».
بعيداً من الدخول في لعبة تكرار كل ما قيل من معلومات وتحليلات، الأكيد أن أداء المشنوق لم يُعجب «أبناء جلدته». أثار ريبة كثيرين منهم. لم يعتادوه بهذا الخطاب «الباطش» وهو الذي كان في نظرهم أوفى الأوفياء للمملكة. منهم من بدا كأنه ينتظر الرجل على «غلطة». ومنهم من رأى أنه «استخدم صدق نيته في غير موضعها». لكن على الضفتين، كان القاسم المشترك بين «المحبين والكارهين» هو التأكيد على سلبيتين نجمتا عن حديثه؛ الأولى أنه «أكد للجميع أن تيار المستقبل ينفّذ إملاءات المملكة العربية السعودية، وليس شريكاً في القرار، ما أساء إلى صورة الرئيس الحريري الذي حمل دوماً شعار لبنان أولاً»، إذ ترى مصادر المستقبل أن «الموقف سيكون حساساً بالنسبة الى الحريري»، في مقابل «ألدّ خصومه على الساحة اللبنانية، أي حزب الله الذي يظهر وكأنه حليف إيران في لبنان وليس تابعاً لها، في الوقت الذي تؤكد فيه الجمهورية الإسلامية دائماً أن له صلاحيات التصرف في الكثير من الملفات داخل لبنان وخارجه». أما السلبية الثانية فتتعلق بالمملكة مباشرة، وهي التي «جهدت في إقناع الجميع بأنها لا تتدخل في الأمور التفصيلية وتترك للبنانيين حق تقرير المصير». ورأت المصادر أن «حديث المشنوق سيزيد إلى مشاكل الحريري في المملكة مشكلة إضافية، لأن الرياض تنظر إلى هذا الكلام من منظار شخصي وتعتبره إهانة»، وأن «المشنوق في معرض دفاعه عن الحريري أدى الى المزيد من توريط الأخير». كثُر الشامتون في تيار المستقبل، وكثر المنتقدون. انتقدوا «جرأة» الوزير، وانتقدوا كلاماً لطالما رددوه هم في مجالسهم، لكن في عرفهم لا بد من «كتمانه»، بحسب ما تقول المصادر التي تؤكد أن «التيار يحسبها جيداً، ويفكر فيها استراتيجياً. لذا سيظل يعبّر عن فخره بعلاقته بالسعودية، ويدافع عن سياساتها».