ما يميز «دار النمر للفن والثقافة» التي افتتحت أخيراً في بيروت أنّها تسبح عكس التيار. أن تتحدث عن «الفن» وتصرف مبالغ كبيرة على الشأن الفني والثقافي والحضاري، فهذا يعني بأنك تسير عكس الزمن السائد القائم على التفرقة والتمذهب والتمترس خلف عداواتٍ وهمية هدفها الوحيد تمزيق نسيج المجتمعات العربية - المشرقية. يسعى مشروع العائلة القادمة من مدينة نابلس الفلسطينية (والموجودة هناك منذ عام 1610) إلى الحفاظ على تراث المنطقة الثقافي وإرثها الحضاري بما يمثّله من تعايش بين جميع الأديان والطوائف والمذاهب، خصوصاً أنّ كل ما يحدث هو بشكلٍ أو بآخر تداعيات لنهاية الدولة العثمانية واتفاقية «سايكس بيكو» التي أوجدت هذه الكيانات والدول القائمة على التفريق والتباعد.

«لقد ارتأينا أن نقيم الدار في هذه الظروف العصيبة التي تشهدها البلاد العربية، ومن ضمنها لبنان، لتكون بمثابة مبادرات تحفز الدور الريادي للبنان الذي تراجع بسبب الحرب الأهلية أولاً، وصولاً إلى الظروف الإقليمية الراهنة وما نشهده في المنطقة. نحن لاحظنا التباعد بين المجتمعات، لذلك كان لا بد من مشروعٍ جامعٍ شامل، ثقافي، اجتماعي، وحضاري»، يخبرنا رامي النمر مؤسس «دار النمر للفن والثقافة».
وجد رامي النمر أنَّ تاريخ المنطقة أصبح في خطرٍ كبير. لذلك، كان لا بد من مشروع يعيد ولو شيئاً من الألق الذي عرفه لبنان قبل الحرب. «لبنان هو آخر مكان في العالم العربي يمتلك حرية أوسع من غيره. لقد كان في خمسينيات (وصولاً حتى سبعينيات) القرن الماضي، ملجأً مهماً للمثقفين والمناضلين والأكاديميين والفنانين من جميع أنحاء العالم. لذلك كان الهدف أن نعود إلى تلك المرحلة عبر تراثها الثقافي والحضاري» يؤكد النمر. ويشير إلى أنّ «المجتمعات الشرقية بدأت بالتداعي، وأنا لا أريد مقاربة هذه النقطة سياسياً بل من ناحية الثقافة والتعايش. مثلاً في فلسطين، كان المسيحيون يشكلون أكثر من 20 في المئة من المجتمع الفلسطيني، فيما اليوم لا يشكلون أكثر من 2 في المئة. مثلٌ آخر، الأرمن كانوا متواجدين في مدينة القدس، أما اليوم فهم يعدون بالمئات في المدينة المقدّسة». يشير النمر إلى أنَّ المنطقة تشهد تاريخاً صعباً لم يمر عليها أبداً من قبل، فهي كانت ملاذاً آمناً لطوائف وثقافاتٍ متعددة: «كان هناك تعايش (رغم بعض المشاكل) فالشرق حافظ على هذه الأقليات. لقد اندثرت الإثنيات والأعراق والجماعات اليوم، كما حدث في العراق مع الصابئة المندائيين والكلدان والآشوريين والأكراد. لم تشهد المنطقة طوال تاريخها أحداثاً مماثلة لما يحدث اليوم». في الإطار عينه، يؤكد النمر أنَّ هناك محاولاتٍ دؤوبة لتدمير ثقافة الشرق وتاريخه الجمعي وإرثه الحضاري، وتحويله إلى ما يشبه الصحراء الجافة الناضبة. كل هذه العوامل والعناصر شكّلت الدافع الحقيقي لمشروع «دار النمر». يوضح رامي النمر: «قلت إذاً يجب أن يكون هناك حصنٌ يحمي أجيالنا الجديدة ثقافياً وحضارياً، طبعاً أنا أعلم بأن هذه محاولة متواضعة للغاية وبإمكانيات فردية، ولكننا على الأقل نحاول، ونشجع عدداً من الأناس الذين يشبهوننا كي يفعلوا ما نفعله نحن، ويمكن اعتباره أساساً يمكن العمل عليه للمستقبل».

مؤسسة تعرض الآثار والأعمال الفنية وتنظّم المعارض والندوات والاقامات للمبدعين

في الإطار عينه، يعيد النمر طرق الموضوع الفلسطيني، خصوصاً من جانب محاولات «محو» الهوية الفلسطينية والاعتقادات الخاطئة تجاه الشعب الفلسطيني وثقافته ودوره، مشيراً إلى أنَّ «المجتمع الفلسطيني تأثر بالظروف السائدة كغيره. هو كان فاعلاً بشكل كبير قبل الحرب، ولكن الأحداث والظروف جعلته يبتعد. حصلت تلك الفجوة الكبيرة بين المجتمعين الفلسطيني واللبناني. لقد كان المجتمع الفلسطيني مجتمعاً حياً قبل الحرب. ثم جاءت الأخيرة لتبعد المجتمعين وتوجد نوعاً من سوء التفاهم بينهما». على جانبٍ آخر، فإن نسبة كبيرة من الأجيال الفلسطينية الجديدة لا تعرف الكثير عن «تراثها» وتاريخها الحقيقي، فالإعلام يلجأ أحياناً إلى تبني المقولات الصهيونية التي تقول بأن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب، فأصبحنا «شعباً بلا هوية بالنسبة إلى كثيرين» يؤكد النمر. من هنا كانت فكرة الدار وما تمثّله من تمازجٍ ثقافي اجتماعي حضاري أشبه بالدرع بشكلٍ أو بآخر. «في النهاية كانت فلسطين شأناً جامعاً منذ البدايات، وأنا أعطي مثلاً هنا، بأنه في جميع الخرائط القديمة في القرنين الثامن والتاسع عشر، كانت القدس مركز الكون، والمركز الأساسي للأحداث التي مرّت على المنطقة لما للقدس (ولفلسطين) من مكانةٍ سياسية ودينية هامة للجميع».
على مدى أربعين عاماً، جُمع أرشيف «دار النمر» الذي يضم أكثر من خمسة آلاف مخطوطة، تتوزع بين مخطوطات عسكرية وأخرى تجارية واجتماعية وسياسية. «مثلاً كانت لدينا مصابن (معامل صابون) وكنا نتاجر مع «توسكانيا» (في عام 1720) ولدي مخطوطات عن هذه المعاملات التجارية» يقول النمر. نُقلت هذه المخطوطات من فلسطين إلى خارجها خوفاً من تلفها أو فقدانها إبان الانتفاضة الفلسطينية (الأولى عام 1987). كما أنّها قد استعملت في العديد من الأبحاث والدراسات المتعلّقة بالمرحلة الحالية أو بالتاريخ الفلسطيني.
أكثر من ذلك، تبدو بعض الوثائق ذات قيمةٍ تاريخيةٍ ملحة أمثال «الفرمانات» العثمانية من أيام السلطان العثماني سليمان القانوني التي «تحض طوائف القدس جميعها على التعايش والعمل مع بعضها بسلامٍ وأمان». لا تشتمل المجموعة على أرشيف مخطوطات فحسب، بل تضم أيضاً نقوداً، وقطعاً خزفية، وتحفاً زجاجية، وأسلحة ودروعاً، وأقمشةً وأدواتٍ معدنية، بالإضافة إلى تحفٍ خشبية مطعّمة بالصدف. هناك أيضاً مجموعة «الأيقونات» المسيحية المقدسية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الفن المشرقي القديم، فضلاً عن مجموعةٍ كبيرة من أعمال الخط العربي تغطي عشرة قرونٍ من تاريخ المنطقة وثقافتها.
تضاف إلى كل ذلك مجموعة الفخّار الأرمني (أيضاً من مدينة القدس حيث كان التواجد الأرمني الأكثر كثافة، ويعد حالياً بالمئات بعد التضييق الصهيوني)، إلى جانب لوحات ورسوم لمستشرقين (عن المنطقة) وأعمالٍ ولوحاتٍ فنية فلسطينية حديثة ومعاصرة.
يوضح النمر بأن هذه المجموعات الفنّية/ الثقافية ستتحوّل لاحقاً إلى «وقفٍ فلسطيني»، ويأمل عرضها في «جامعة النجاح الوطنية» في نابلس. ومنعاً للالتباس، يصر النمر على أنَّ المجموعة ستكون لفلسطين بعيداً عن أي جهة سياسية أو «سلطوية» من أي نوع، فالدار كما مجموعة النمر هما لفلسطين وغير محسوبتين على أيٍ من الجهات السياسية.
في محصلة الأعمال، تهدف الدار - كمؤسسةٍ لا تبتغي الربح البتة- أساساً إلى عرض الأعمال والآثار (بجميع أنواعها أي تلك التي تملكها العائلة أو يملكها الآخرون) الثقافية والتراثية (والحضارية) للمنطقة، وتفتح باب المشاركات للجميع من مؤسسات وجامعات وفضاءات ثقافية. كذلك تستعد الدار لإقامة فضاء حيوي للتفاعل (أي إقامات فنية، ومحاضرات، وجلسات نقاش، وورش عمل) ترمي إلى إعادة التعايش واللحمة «التي كانت المنطقة تزخر بهما في السابق». ستحاول الدار أيضاً أن تفتح أبوابها لأنشطة تتعلق بالمجتمع وبنيانه ومقاربة قضاياه وشؤونه ومشاكله كحقوق الإنسان، والبيئة، وآفة العنصرية. في موازاة ذلك، ستحتضن أنشطةٍ فنية شابة كالمسرح والأفلام والعروض الفنّية والموسيقية. يلح النمر على أنَّه «لن تكون في الدار أي معروضاتٍ للبيع أو الشراء (يقصد من الأثريات أو الأعمال الفنية)، أو للإفادة تجارياً منها، فالمكان هو فرصة للجيل الشاب لمشاهدة آثار قد قرأ أو سمع عنها في السابق بملء العين هذه المرة. أما بالنسبة إلى الفنانين، فستكون الدار فرصةً تعريفية بأعمال الفنانين الشباب الذين تفتح الدار أبوابها لهم من دون أن تكون مكاناً للربح المادي لأحد. وتكريساً لتصوّر الدار لتاريخ المنطقة من خلال الفنون، فإنه سيتم تنظيم ثلاثة أنواع من المعارض سنوياً فيها هي: معارض لمجموعة «دار النمر» الفنّية الخاصة، ومعارض مكلّفة من «دار النمر» لدعم الفنانين في مجالاتٍ مختلفة، وأخيراً معارض يتم استضافتها لفنانين من المنطقة وخارجها.



مفاجأة كبرى عن لبنان

يختم رامي النمر حديثه معنا بمفاجأةٍ كبرى: «سنقدم لاحقاً مخطوطات من عام 1860 (الذي يعتبره كثيرون سنة تأسيس لبنان) تختص بتاريخ لبنان. حصلنا عليها في الماضي ولم تعرض أبداً قبل اليوم لتحوّل إلى «وقف لبنان». سيصار إلى عرضها لاحقاً في إحدى الجامعات اللبنانية الكبرى». ولأن أهمية أي وثيقةٍ تكمن في نشرها وعرضها، فإن الدار ستعمد إلى مكننة المخطوطات ثم إصدارها في شكل كتاب موثّق. كل هذا سيحدث من خلال تنظيم نشاط، سيدعو الخبراء والمختصين للحديث عن تاريخ تلك المرحلة من خلال الوثائق والمخطوطات. وما يلفت في كلام النمر أنه متأكد من أنّ بعضهم «سيكون منزعجاً للغاية مما سنعرضه أو نقدمه في الدار، سواء لناحية المعروض كمجموعتنا أو مجموعات الآخرين، خصوصاً أولئك الذين يضايقهم التقارب بين الناس»؛ لكن هذا الأمر لا يمنعه البتة من إكمال طريق عائلته ووالده الذي يدأب على السير عليه.




رأس بيروت «يا جامعنا»

عن اختيار موقع الدار في منطقة رأس بيروت، يعلّق رامي النمر: «لقد اخترنا رأس بيروت لأنها نقطة شديدة الأهمية في لبنان وعاصمته بيروت. حتى مع اشتداد الحرب الأهلية، كانت هذه المنطقة جامعة لكل الناس، يضاف إلى ذلك الدور الكبير الذي أدته «الجامعة الأميركية» كمعلم ثقافي قريب. كان اختيارنا للمنطقة لهذه الأسباب، فضلاً عن كونها قريبة من الجميع». أما عن الدار بحد ذاته، فهي تقع في المبنى التاريخي الأثري «فيلا سالم» التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وتحمل توقيع المهندس المعماري لوسيان كافرو الذي اعتمد في بنائها على نموذج «الدومينو» (الذي ابتكره لو كوربوزييه) وكانت من المباني الأولى محلياً التي اعتمدت هذا الطراز. هذا ما سهل لاحقاً عملية ترميم المبنى من قبل المهندس أنطوني بلدي الذي أشرف على ذلك بسرعةٍ وبجهدٍ كبيرين.