يُمكن القول إن طرابلس مقبلة على مشهد سياسي جديد يختلف جذرياً عن صورتها الماضية. فقد شكّلت نتائج الانتخابات البلدية فيها صدمة للجميع، ولم تزل مثار تحليل للرابح والخاسر معاً. لم يتوقّع الوزير أشرف ريفي إصابة محدلة القوى السياسية في مقتلها، تماماً كما لم تتوقع لائحة «لِطرابلس» أن يكتسح ريفي الانتخابات، فيترك لها بعض الفتات. منذ الانتهاء من فرز صناديق الاقتراع انصرف أصحاب اللائحة الائتلافية المدعومة من الرئيسين نجيب ميقاتي وسعد الحريري، والوزيرين فيصل كرامي ومحمد الصفدي، للبحث عن أسباب خسارتهم، إذ من المؤكد أن النصر الذي حققه ريفي لم يأت من فراغ، ولم يكُن ثمرة عمل ماكينة انتخابية مبتدئة للواء السابق، كما لم يكن نتيجة لمواقف الرجل «البطولية» ضد حزب الله وأحزاب السلطة، تحديداً تيار المستقبل. بحسب الوقائع على الأرض، فإن السقوط المدوي للائحة الائتلافية يعود إلى خمسة عوامل كانت ستسقطها بصرف النظر عن اللائحة المنافسة. يختصر الرئيس نجيب ميقاتي امام زواره هذه العوامل بالآتي: «تراخي القوى المتحالفة. دخول مخابرات الجيش على خط الناخبين. غدر الجماعة الإسلامية. مدّ اليد إلى سعد الحريري والمال الانتخابي». قبل نحو 10 أيام من موعد الانتخابات البلدية، تقدّم أحد المقرّبين من الرئيس ميقاتي والوزير كرامي بنصيحة لم تؤخذ في الاعتبار.
الجماعة الإسلامية غدرت بنا وصوّتت لمصلحة ريفي بناءً على طلب تركيّ
كان الرجلان في طريقهما إلى تلبية دعوة عشاء عائلي عند الرئيس نبيه برّي. حملت النصيحة رسالة مفادها أن «التحالف مع الرئيس الحريري سيضرّ بكما. وإذا كانت النسبة المتوقعة لنجاحهما تفوق خمسين في المئة، فإنها بعد الاتفاق ستتدنى حكماً، على اعتبار أنه لو كان لرئيس تيار المستقبل القدرة على خوض الانتخابات سياسياً ومالياً ما كان ليلجأ إلى التحالف». لكن «ميقاتي وكرامي رفضا التراجع عن هذا الاتفاق، من منطلق أن الحريري قبل بكل شروطهما». غير أنهما ما لبثا أن اقتنعا بالنصيحة بعد أن وقعت «الفاس في الراس». ويشرح ميقاتي بإيجاز آخر ما توصل إليه فريق عمله والقوى الحليفة له على الأرض بشأن أسباب السقوط المدوّي، مشيراً إلى: أولاً، «تراخٍ كبير وسم حركتنا جميعاً قبيل الانتخابات». ولفت إلى «اننا تهاونا في مسألة حشد الأصوات، حتى إن ابنتي اتصلت بي، فقلت لها إنه ليس هناك من داعٍ لتذهب إلى طرابلس لتنتخب»، لأن «الموضوع مش محرز، والنتيجة محسومة سلفاً لصالحنا». والدليل أن «رعاة اللائحة (الحريري والصفدي وميقاتي وكرامي) سافروا إلى الخارج في نهاية اليوم الانتخابي أو بعد يوم واحد، وأن السفر إلى الخارج كان مقرراً مسبقاً، ما يعني أننا كنا قد ضمنا المجلس البلدي في جيبنا قبل صدور النتائج»؛ وثانياً، دخلت «استخبارات الجيش على الخط لدعم ريفي»، بحسب ميقاتي الذي يؤكد أن «استخبارات الجيش ضغطت على الناخبين لعدم الاقتراع لمصلحة لائحة الأحزاب، ضداً بالرئيس سعد الحريري». حيث إن «سقوط الحريري في طرابلس يعني سقوط ترشيح سليمان فرنجية، في وقت يعتبر فيه قائد الجيش جان قهوجي نفسه مرشحاً توافقياً»؛ وثالثاً، «التحالف الذي نسجه الحريري وشمل جميع القوى السياسية الطرابلسية، فلم يقتنع به المواطن الطرابلسي، على ضوء السياسة التي مارسها الحريري سابقاً، وهو الذي لم يترك مناسبة إلا وهاجمنا فيها أنا وفيصل كرامي»؛ ورابعاً، «غدر الجماعة الإسلامية المدعومة من تركيا، والتي صوّتت بإيعاز من الأخيرة لمصلحة اللواء ريفي الذي ضمّت لائحته اثنين من الإخوان المسلمين»؛ خامساً، «شراء عدد من المندوبين في الماكينة الانتخابية المشتركة، حيث قام هؤلاء بإقناع الناخبين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع عند الساعة الخامسة مقابل حصولهم على رشى انتخابية. وما لبث الناخبون أن اكتشفوا هذه الخديعة عندما أكدنا أننا لن ندفع مالاً انتخابياً، ما دفع بالناخبين إلى التصويت للائحة قرار طرابلس انتقاماً».

يمكن القول إنّ حسابات القوى الكبرى في طرابلس كانت خاطئة في معظمها، كما كان ريفي مخطئاً حين حصر هدفه قبيل الانتخابات بتحقيق نسبة كبيرة من الأصوات لا خرق اللائحة، وتكرار مشهد «بيروت مدينتي» في انتخابات العاصمة. انتهت الانتخابات. الأنظار الآن تتوجه إلى المرحلة المقبلة. يواسي كل من الرئيس ميقاتي والوزير كرامي نفسيهما باعتبار أن فوز ريفي شكل لهما «درساً مرتباً» باشرا معه ورشة نقد ذاتي، أهم ما فيها أن «الرهان على الرئيس الحريري دائماً خاسر».